قضايا اجتماعيةمنوعات

الأجنحة التي لا تجعلك تطير تؤلمك

كتبت "علا غريزي"

 

أحياناً أكثر ما يؤلم الإنسان أن يشعر بأن حياته أصغر من قدرته.
أن يعرف في داخله أنه كان يستطيع أن يفعل شيئاً مختلفاً، أن يعيش بطريقة أقرب إليه، أن يذهب في اتجاه يشبهه أكثر، ثم يجد نفسه بعد سنوات في المكان نفسه، يحمل الأحلام ذاتها ويؤجلها للسبب نفسه.

علا غريزي

هناك أحلام لا تموت، تبقى معنا مهما حاولنا الانشغال عنها.. تظهر في لحظات هدوئنا، في طريق العودة إلى المنزل، أو ربما في حديث عابر..
نحن نعرف في داخلنا ما نريد أحياناً، لكننا نخاف الاقتراب منه.
نخاف أن نفشل، أن نتأخر، أن نخسر ما اعتدنا عليه، أو أن نكتشف أن الطريق الذي حلمنا به أصعب مما تخيلنا. ومع الوقت، يتحول التأجيل إلى عادة، والعادة إلى حياة كاملة.

وهنا يبدأ الوجع الحقيقي.
أن تعرف أنك قادر على أكثر مما تفعل، وأن تشعر بأن جزءاً منك ما زال واقفاً في مكان ما، ينتظر منك أن تلتفت إليه.

الأجنحة التي لا نستخدمها تؤلمنا.
تؤلمنا لأنها تذكّرنا بما كان يمكن أن يكون. تذكّرنا بالفرص التي تركناها تمر، بالقرارات التي خفنا من اتخاذها، وبالأماكن التي بقينا فيها طويلاً لأن الرحيل كان يحتاج إلى شجاعة أكبر مما امتلكناه في ذلك الوقت.

وربما أقسى ما يواجهه الإنسان أن يعيش سنوات وهو يعرف أنه لم يعطِ نفسه فرصة حقيقية.
كم مرة قلنا: الوقت غير مناسب؟
كم مرة انتظرنا أن تصبح الظروف أفضل؟
كم مرة أقنعنا أنفسنا بأننا سنبدأ غداً؟
ثم مرّ الغد، وجاء بعده غد آخر، حتى أصبح التأجيل جزءاً من حياتنا.

الحقيقة أن الحياة لا تعطينا ضمانة قبل أي خطوة.. قد نحاول ونخسر، وقد نبقى في مكاننا ونخسر أيضاً. لكن هناك فرقاً كبيراً بين خسارة عشناها، وخسارة بقيت مجرد احتمال في رؤوسنا، الأولى تنتهي مع الوقت، أما الثانية فقد ترافقنا لسنوات في صورة سؤال واحد:
ماذا لو حاولت؟
ومع مرور العمر، نبدأ بفهم أشياء لم نكن نراها من قبل.. نفهم أن بعض العلاقات أخذت منا أكثر مما أعطتنا، وأن بعض الأشخاص كانوا جزءاً من مرحلة وانتهت، وأن بعض الأحلام التي تمسكنا بها طويلاً لم تعد تشبهنا.
نكتشف أن علينا أحياناً أن نخفف الحمل عن أكتافنا حتى نستطيع التحرك.
أن نترك علاقة أتعبتنا.
أن نتوقف عن انتظار اشخاص اختاروا الغياب.
أن نسامح أنفسنا على أخطاء قديمة.
أن نتوقف عن محاولة إرضاء الجميع.
وأن نتقبل فكرة أن الطريق الذي اخترناه بالأمس قد لا يكون الطريق الذي نريده اليوم.

الطيران، في أحيان كثيرة، يبدأ من الداخل.
يبدأ حين تستعيد علاقتك بنفسك، حين تعرف ما تريد، وما لم تعد تريده، وحين تتوقف عن بناء حياتك وفق توقعات الآخرين.
قد لا يصفق لك الجميع.
قد لا يفهمون قرارك.
وقد تخاف وأنت تخطو الخطوة الأولى.
لكن ربما تكون تلك الخطوة هي أكثر ما تحتاجه منذ سنوات..
وربما يكون أكثر ما يؤلمنا في نهاية الطريق أن نكتشف أننا كنا نملك القدرة على التحليق، لكننا أمضينا عمراً كاملاً نخاف من السماء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى