مقالات وتقاريرمنوعات

كونوا سَنا.. تحويل الموقع العام إلى مساحة جامعة

 

بقلم د. رنا حطيط – libanpress24

اليوم، في الخُريبة – المتن، لم نكن أمام رحلة هايكنغ عابرة، ولا أمام نشاط ترفيهي ينتهي بانتهاء المسار.

كنّا أمام مشهد لبناني نحتاج أن نتأمله جيدًا.

مشهد مواطنين من أطياف مختلفة، يلتقون في مكان واحد، ويمشون في طريق واحد، ويتشاركون الضحكة والحديث والطبيعة… من دون أن يسأل أحدهم الآخر: من أنت؟ ولمن تنتمي؟

وهنا تحديدًا تكمن الحكاية.

فلبنان لا يحتاج إلى مزيد من الجدران بين أبنائه؛ لا يحتاج إلى مسؤول يزداد قربًا من الناس كلما ابتعد عنهم، ولا إلى سلطة ترى المواطن رقمًا في سجل أو صوتًا في صندوق.

لبنان يحتاج إلى مسؤولين يعرفون أنّ الموقع العام تكليف وليس تشريفًا، وأنّ قيمة المسؤول ليست في حجم سلطته، بل في حجم الأثر الّذي يتركه في حياة الناس.

ومن هنا، لا يسعني إلّا أن أتوقّف عند شخصيّة رئيسة بلدية الخُريبة الأستاذة سنا البنّا.

سنا ليست مجرد رئيسة بلدية في هذا المشهد؛ إنّها نموذج لما يمكن أن تكون عليه السلطة المحليّة حين تستعيد معناها الحقيقي: القرب من الناس، والانفتاح عليهم، وصناعة المساحات الّتي تجمعهم بدل أن تفرّقهم.

هناك مسؤولون يمرّون في مواقعهم… وهناك مسؤولون يتركون أثرًا.

وسنا من النوع الثاني. يكفي أن يُذكر اسمها حتى يحضر معه ذلك الأثر الجميل عند كلّ من عرفها أو تعامل معها.

وهذا هو المسؤول الّذي نحتاجه: مسؤول لا يخاف من اختلاف الناس، بل يجمع اختلافهم؛ لا يبني مجده على الانقسام، بل يبني مكانته على الإنجاز؛ ولا يسأل الناس عن طوائفهم ومناطقهم قبل أن يمدّ إليهم يده، بل يراهم أولًا مواطنين.

وهنا أتساءل:

متى يصبح المسؤولون في لبنان “سَنا”؟ متى يصبح الموقع العام مساحةً لخدمة الإنسان لا للاستعلاء عليه؟ متى نخرج من عقليّة “نحن وهُم” إلى عقليّة “نحن جميعًا”؟

ومتى ندرك أنّ الوطن لا يُبنى عندما ينتصر فريق على فريق، بل عندما يشعر كلّ لبناني أنّ له مكانًا وكرامةً ودورًا في هذا الوطن؟

قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾. لم يقل: لتتقوقعوا. لم يقل: لتكرهوا بعضكم. لم يقل: لتجعلوا اختلافكم متاريس. قال: لِتَعَارَفُوا. وما أجمل أن تتحوّل هذه الآية من معنى نتلوه إلى سلوك نعيشه.

اليوم، في الخُريبة، رأينا شيئًا من لبنان الّذي نريده:

لبنان الّذي يتعارف فيه الناس بدل أن يتناحروا، ويجتمع فيه المختلفون بدل أن يُحاصر بعضهم بعضًا. لبنان الّذي تكون فيه الطبيعة مساحةً للقاء، لا الطائفة جدارًا للفصل.

كلّ الشكر لمن صنع هذا المشهد:

كلّ التحيّة والتقدير لرئيسة بلدية الخُريبة الأستاذة سنا البنّا وأعضاء المجلس البلدي، ولجنة النشاطات ولا سيما الأساتذة مازن قادسيّة ونبيل القاقون، على جعل هذا النشاط مساحة حقيقية للتلاقي.

والشكر موصول لفريق Walk and Discover Group، وبخاصة الأساتذة بسّام زين الدين ووائل غزّ الدين، على التنظيم والمرافقة الاحترافية. كما أحيّي كلّ يد ساهمت في التنظيم والنقل واللوجستيّات، ولا سيما السادة: نادر العشّي، جهاد ناصر، فادي المهتار، وغازي ملاعب، وكلّ من عمل بفرح خلف الكواليس.

أنتم لم تنظّموا مجرد Hiking Adventure… أنتم، ربما من حيث لا تشعرون، نظمتَم تمرينًا صغيرًا على الوطن.

مشينا معًا… فاكتشفنا أن الطريق يتسع للجميع. جلسنا معًا… فاكتشفنا أن الاختلاف لا يمنع المحبة. ضحكنا معًا… فاكتشفنا أنّ اللبناني يستطيع أن يلتقي بأخيه اللبناني قبل أن يلتقي بانتمائه.

ولذلك، ربما علينا أن نعيد تعريف السياسة في لبنان:

السياسة ليست أن تجعل الناس يخافون من بعضهم، بل أن تجعلهم يثقون ببعضهم. وليست قوّة المسؤول في أن يستطيع إقصاء الآخرين، بل في أن يستطيع جمعهم. وليست قيمة الوطن في عدد الشعارات الّتي نرفعها، بل في عدد القلوب الّتي نستطيع أن نجمعها تحت سقفه.

فكونوا سَنا…

وكونوا مسؤولين يتركون أثرًا لا جراحًا، وجسورًا لا متاريس، ومحبةً لا ضغائن.

ولنكن نحن أيضًا شعبًا يعرف كيف يختلف من دون أن يكره، وكيف يتنوّع من دون أن يتقاتل. نحن مواطنون متحابون. نحن لبنانيون… لسنا متقوقعين، لسنا أعداء، ولا ينبغي أن نكون.

من الخُريبة اليوم، كانت الرسالة واضحة:

لبنان لا يحتاج إلى من يقسمه أكثر… لبنان يحتاج إلى من يجمعه.

كلّنا لبنان… وكلّنا نستطيع أن نكون سَنا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى