
تتوالى المؤشرات الأمنية والدبلوماسية التي تنذر بتطورات مقلقة في لبنان، من تحذيرات أوروبية تدفع نحو معالجة الملفات الداخلية، إلى مخاوف من تصعيد إسرائيلي أوسع، وصولاً إلى احتمالات مواجهة كبيرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل. وفي هذا السياق، تزداد الحاجة إلى حسم الملفات العالقة داخلياً، خصوصاً أن القرارات الحكومية لا تزال تنتظر خطوات عملية تضعها موضع التنفيذ.
وفي هذا السياق، تكشف مصادر دبلوماسية عن رغبة أوروبية في دفع لبنان الرسمي إلى ورشة داخلية أمنية وسياسية، تفادياً للوصول إلى مراحل أكثر خطورة. وتشمل الأفكار المطروحة مساعدة الجيش اللبناني عبر برامج تدريب وتأهيل تعزز انتشاره وقدرته على ضبط الأمن. كما يجري البحث في إمكانية تشكيل قوة دولية تضم إيطاليا وسويسرا والأردن، مع احتمال انضمام دول إضافية، على أن تعمل تحت غطاء أممي في جنوب لبنان.
لكن التحذير الأبرز، وفق المصادر نفسها، يتمثّل في أن تعثّر تطبيق القرارات الحكومية وغياب مسار داخلي واضح قد يفتحان الباب أمام تصعيد إسرائيلي أوسع، بالتزامن مع تصاعد المخاوف من اندلاع جولة قتال مفاجئة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، قبل الانتخابات الإسرائيلية والأميركية أو بعدها مباشرةً.
وفي موازاة ذلك، تتواصل التحقيقات القضائية لكشف كيفية دخول المواد المتفجرة إلى لبنان والجهة التي كان يُفترض أن تصل إليها، بالتزامن مع معلومات إعلامية عن تحذيرات غربية للمسؤولين اللبنانيين بضرورة رفع مستوى الحيطة والحذر أمنياً.
إقليمياً، تثير التطورات في اليمن والاعتداءات التي تستهدف السعودية والمنشآت الحيوية مخاوف من اتساع رقعة المواجهة. وقد أعلن الطيران المدني السعودي وفاة 12 شخصاً وإصابة 309 إثر الاعتداء على مطار الملك خالد الدولي، فيما أكد المتحدث باسم الخارجية الأميركية أن واشنطن تتشاور مع سفارتها في الرياض وشركائها السعوديين، مشدداً على التزام بلاده بأمن المملكة.
هذه التطورات تجعل لبنان معنياً مباشرة بأي تبدّل في الحسابات الإقليمية، لا سيما أن جبهته الجنوبية قد تتأثر بأي مواجهة واسعة، فيما لم تنتقل الدولة بعد إلى تنفيذ قراراتها على الأرض. فالتحركات الدولية قد تفتح باباً لترتيبات جديدة، لكن نجاحها يبقى مرتبطاً بمدى استعداد القوى اللبنانية لتحمّل مسؤولياتها، بعيداً عن تأجيل القرارات أو الاكتفاء بالمواقف السياسية.
الأخطر أن تمتد المواجهة إلى لبنان، مع بقاء ملفات أمنية وسياسية عالقة. فالمساعدة الأوروبية والبحث في تشكيل قوة دولية قد يساهمان في احتواء الوضع، لكنهما لا يغنيان عن قرار لبناني واضح وخطوات عملية تفرض حضور الدولة على الأرض. وإذا اتسعت رقعة القتال قبل إنجاز هذه المعالجات، فقد تتجاوز التداعيات حدود الجنوب، وتعيد البلاد إلى حرب جديدة وما تحمله من خسائر ومعاناة يصعب تحمّلها مجدداً.
ومع اقتراب استحقاقات انتخابية مفصلية في المنطقة، لا يمكن للبنان أن يراهن على بقاء التوتر ضمن حدوده الحالية أو على تأجيل المواجهات. فالوقت المتاح لمعالجة الثغرات الداخلية ليس مفتوحاً، وكل تأخير قد يرفع كلفة المرحلة المقبلة. والأخطر أن أي توسّع للمواجهة قد لا يتوقف عند حدود الضربات العسكرية، بل قد يفتح الباب أمام موجة نزوح جديدة، تعيد آلاف العائلات إلى رحلة البحث عن الأمان والمأوى، في بلد لم يتعافَ بعد من آثار الحرب الأخيرة.
جوني ج خلف – رئاسة التحرير




