
لم يعد الخلاف بين الدولة و«حزب الله» يقتصر على تقييم اتفاق الإطار، بل بات يطال طريقة التعامل مع المرحلة المقبلة في الجنوب، من التفاوض مع إسرائيل إلى مسألة الانتشار والسيطرة على الأرض. وفي وقت تتمسك فيه الدولة بمسار التفاوض للوصول إلى الانسحاب واستعادة الحقوق، يعتبر الحزب أن استمرار هذا المسار في ظل الاعتداءات والاحتلال لم يؤدِّ إلى حماية لبنان، بل إلى نتائج عكسية.
وفي بيان جديد، حمّل «حزب الله» السلطة مسؤولية ما وصفه بالفشل في حماية لبنان، معتبرًا أن اتفاق الإطار لم يحقق للبنان أي مكسب، وأنه أدى إلى تكريس الاحتلال واستمرار الاعتداءات الإسرائيلية والقتل بحق اللبنانيين. كما اعتبر أن الإفراج عن عدد من الأسرى اللبنانيين، رغم أهميته، لا يمكن أن يُستخدم لتبرير استمرار المسار التفاوضي، في وقت لا تزال فيه الاعتداءات والاحتلال قائمين.
ويستند الحزب في موقفه إلى مواقف سابقة للسلطة أكدت فيها، بحسب البيان، أنها لن تذهب إلى أي تفاوض قبل وقف العدوان الإسرائيلي. ومن وجهة نظره، فإن العودة إلى التفاوض في ظل استمرار الاعتداءات تعني عمليًا التخلي عن هذا الشرط.
في المقابل، تقول مصادر سياسية إن المرحلة الماضية أثبتت، بالنسبة إلى الدولة، صحة الخيارات التي اعتمدها رئيس الجمهورية، وفي مقدمها التمسك باتفاق الإطار. وتؤكد المصادر أن الموقف الرسمي لم يتغير، وأن التفاوض يستند إلى عناوين محددة هي استعادة الحقوق اللبنانية، تثبيت السيادة، واسترجاع المفقودين، بعيدًا عن أي تنازل عن هذه الثوابت.
وفي هذا المسار، لا تأتي قضية علي الطاهر كملف منفصل عن التفاوض، نظرًا إلى موقعها على خريطة الجنوب. فالتلة تقع في منطقة مرتفعة تشرف على النبطية ومحيطها، وتشكل جزءًا من سلسلة المرتفعات التي تمتد باتجاه إقليم التفاح وجبل الريحان. ومن هذه الجغرافيا تتصل المنطقة بمحاور تؤدي إلى جزين، فيما ترتبط المرتفعات الداخلية باتجاه البقاع الغربي.
وتكمن أهمية علي الطاهر في هذا الموقع تحديدًا. فهي ليست مجرد نقطة تشرف على المناطق المحيطة بها، وإنما تقع على مسار جغرافي يربط بين أكثر من نطاق في الجنوب، من النبطية إلى إقليم التفاح والريحان، وصولًا إلى المحاور المؤدية نحو جزين والبقاع الغربي. لذلك فإن السيطرة عليها تدخل مباشرة في حسابات الانتشار والتحرك، خصوصًا أن المرتفعات في هذه المنطقة مترابطة، والسيطرة على إحداها تؤثر في المواقع والمحاور المحيطة بها.
هذه الخصوصية الجغرافية تفسر جانبًا من حساسية وضع الموقع في أي ترتيبات تتعلق بالانسحاب والانتشار. فعندما يجري البحث في الجهة التي ستتولى السيطرة على علي الطاهر، لا يكون الأمر متعلقًا بتلة واحدة فقط، بل بموقع داخل شبكة من المرتفعات والطرق التي تصل مناطق جنوبية عدة بعضها ببعض. ومن هنا، فإن تسليم الموقع إلى الجيش أو إبقاؤه خارج سيطرته يحمل معنى يتجاوز حدود الموقع نفسه، ويدخل في شكل الانتشار الذي سيستقر عليه الوضع جنوبًا.
وبحسب مصادر سياسية، رفض «حزب الله» تسليم موقع علي الطاهر إلى الجيش اللبناني، وهو ما أدى عمليًا إلى وقوع الموقع بيد الجيش الإسرائيلي. وترى المصادر أن تسليم الموقع إلى الجيش اللبناني كان سيشكّل الخيار الأجدى، بدل تركه أمام احتمال سقوطه وانتقاله إلى الجانب الإسرائيلي، ما أضاف عقدة جديدة إلى الملف المرتبط بترتيبات الانسحاب والانتشار بعده.
وفي موازاة ذلك، لم يتبلغ لبنان حتى الآن الموعد النهائي لجولة مفاوضات روما، فيما يستمر الجانب اللبناني في إعداد ملفاته تمهيدًا للعودة إلى طاولة التفاوض فور تحديد الموعد. والوفد الذي شارك في الجولة الأخيرة سيكون نفسه، وفق المعلومات، في جولة روما المرتقبة.
وبذلك تتجمع أمام جولة روما ملفات سياسية وميدانية مترابطة: الدولة تريد مواصلة التفاوض على قاعدة استعادة الحقوق والسيادة، و«حزب الله» يرفض المسار القائم ما دام الاحتلال والاعتداءات مستمرين، فيما تفرض مواقع مثل علي الطاهر نفسها على أي بحث جدي في شكل الانتشار المقبل. فالاتفاق، إذا حصل، لن يُقاس فقط بما يتم التوصل إليه سياسيًا، بل بكيفية ترجمته على الأرض، ومن سيتولى السيطرة على المواقع التي تتحكم بحركة الوحدات العسكرية وبالربط بين مناطق الجنوب والداخل.
وعقدة علي الطاهر لا تبدو منفصلة عن أصل الخلاف. فـ«حزب الله» يرفض تسليم سلاحه بقرار مرتبط بإيران كما هو معلومًا، وإسرائيل في المقابل ترفض الانسحاب ووقف عملياتها ما دام هذا السلاح موجودًا. لذلك، فإن أي حديث عن تسوية يبقى ناقصًا ما لم تُحسم هذه النقطة، فيما تستمر المواقع والانتشار في الجنوب كجزء من النزاع نفسه.
المشكلة أن كل طرف ينتظر من الآخر الخطوة الأولى، فيما يدفع لبنان ثمن هذا التعطيل. وعلى من تقرأ مزاميرك يا داوود؟ ما دام لا أحد مستعدًا للتراجع عن شرطه الأساسي.
ميدانيًا
شهدت منطقة النبطية، صباح اليوم تصعيدًا إسرائيليًا واسعًا، مع سلسلة غارات استهدفت أحياء ومواقع في النبطية الفوقا والتحتا وكفررمان، بالتزامن مع غارات طالت بلدة عربصاليم عقب إنذار إسرائيلي بإخلاء أحد المباني.
واستهدفت الغارات المدينة الصناعية في كفررمان، وحيَّي الراهبات والرويس في النبطية التحتا، إضافة إلى حي الدير في النبطية الفوقا، فيما نفذت مسيّرة إسرائيلية غارة في محيط دار المعلمين على طريق النبطية الفوقا.
كما استهدفت غارة إسرائيلية منزلًا في كفررمان، ما أدى إلى تدميره.
وفي عربصاليم، شن الطيران الإسرائيلي غارتين استهدفتا مبنيين في البلدة، وذلك بعد إنذار أصدرته المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي إيلا واوية، دعت فيه سكان مبنى محدد والمباني المجاورة له إلى الإخلاء والابتعاد مسافة لا تقل عن 300 متر.
وزعمت واوية أن الإنذار جاء على خلفية إطلاق «حزب الله» مسيّرة مفخخة باتجاه قوات الجيش الإسرائيلي
جوني ج خلف – رئاسة التحرير




