
في زمن الأزمات تُختبر أخلاق المجتمعات، لكن في لبنان، يبدو أن بعضهم قرر تحويل المأساة إلى فرصة استثمارية. فبعد موجات النزوح التي فرضتها الحروب، لم يكن التحدي الوحيد أمام آلاف العائلات هو فقدان منازلها، بل أيضاً مواجهة سوق إيجارات انفلت من كل ضابط، حيث ارتفعت الأسعار بشكل جنوني، وبات السكن امتيازاً لا يقدر عليه إلا من يملك المال.
المشهد بات يتكرر في مختلف المناطق. عائلات تحمل ما تبقى من حياتها، تبحث عن غرفة تؤوي أطفالها، لتُفاجأ بإيجارات تضاعفت مرات عدة خلال أيام. بعض المالكين رفعوا الأسعار فقط لأن الطلب ارتفع، وكأن معاناة الناس أصبحت بنداً في معادلة الربح والخسارة.
صحيح أن الملكية الخاصة مصونة، وأن لكل مالك الحق في استثمار عقاره، لكن لا شيء يبرر استغلال ظرف استثنائي لتحقيق أرباح مبالغ فيها. فالفرق كبير بين الاستثمار المشروع والاستغلال الذي يتغذى على خوف الناس وحاجتهم إلى سقف يحميهم.
والأخطر أن تداعيات هذه الفوضى لم تعد تقتصر على النازحين. فالشباب المقبلون على الزواج، والموظفون، والطلاب، وحتى العائلات اللبنانية التي كانت تبحث عن منزل قبل الأزمة، وجدوا أنفسهم أمام سوق لا يعترف إلا بمن يدفع أكثر، بينما أصبحت الأسعار بعيدة عن الواقع الاقتصادي الذي يعيشه معظم اللبنانيين.
ولا بد من التأكيد أن هذا الكلام لا يشمل جميع أصحاب العقارات. فهناك من رفض استغلال الأزمة، وأبقى على أسعار عادلة، بل إن بعضهم فتح أبواب منازله بدافع إنساني. هؤلاء يستحقون كل التقدير، لأنهم أثبتوا أن الضمير لا يزال حاضراً رغم قسوة الظروف.
لكن ترك السوق بلا أي رقابة سيؤدي إلى مزيد من الفوضى. المطلوب اليوم ليس مصادرة حقوق المالكين، بل تنظيم السوق ومنع الاستغلال الفاحش في الظروف الطارئة. ويمكن للدولة أن تضع مؤشرات استرشادية لبدلات الإيجار، وأن تفعّل الرقابة على العقود، وأن تشجع المالكين الملتزمين بأسعار عادلة من خلال حوافز وإعفاءات، بما يحقق التوازن بين حق المالك وحق المواطن في الحصول على مسكن لائق.
فالحروب قد تنتهي، والنزوح قد ينتهي، لكن ما سيبقى في ذاكرة الناس هو من وقف إلى جانبهم، ومن قرر أن يجعل من مأساتهم تجارة. وفي الأزمات، لا يُقاس النجاح بحجم الأرباح، بل بحجم الإنسانية.
بقلم “جوني خلف”
https://whatsapp.com/channel/0029VamMQyQ6GcG4v9zovx2y




