ثقافة وتربيةقضايا اجتماعيةمقالات وتقارير

بين التجييش العاطفي وصناعة الوعي: خطر التلقين وتزييف الإدراك في الطفولة والمجتمع

 

د. رنا حسين حطيط /أستاذة أكاديميّة وخبيرة في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي واللغويات التطبيقية

كتبت في libanpress24 :

 

“وتعرفون الحق، والحق يحرركم” (يوحنا 8: 32).

 

يشكّل الوعي الإنساني ركيزة أساسية في بناء المجتمعات، إلا أن أخطر ما يهدده ليس غياب المعرفة، بل طريقة تشكيلها، خاصة حين يُستبدل الفهم بالتلقين، والعقل بالانفعال، منذ المراحل المبكرة من العمر.

 

التجييش العاطفي هو أسلوب يقوم على استثارة المشاعر القوية كالحزن والغضب والخوف والحماسة، بهدف توجيه المتلقي نحو موقف محدد دون تمكينه من التفكير النقدي أو التحقق من الوقائع. ويختلف هذا الأسلوب جذريًا عن الإقناع، الذي يعتمد على الأدلة والمنطق واحترام عقل المتلقي، ويستخدم العاطفة بوصفها عنصرًا مساعدًا لا أداة سيطرة.

 

ويكمن الخطر الأكبر عندما يُوجَّه هذا النمط من الخطاب إلى الأطفال والمراهقين، إذ تكون عقولهم في مرحلة التكوين الأولى، أكثر قابلية للتأثر وأقل قدرة على التمييز بين الحقيقة والتأويل. فيتحول التلقي إلى تلقين، والذاكرة إلى انفعال، والوعي إلى استجابة جاهزة.

 

ويحذّر القرآن الكريم من الانسياق وراء الموروث غير النقدي، في قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: 23]، كما يلفت إلى ضرورة إعمال العقل حتى في مواجهة المألوف: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 170]. وهي دعوة صريحة إلى عدم تعطيل التفكير النقدي لصالح التبعية.

 

وفي السياق ذاته، تؤكد النصوص الدينية على قيمة الحقيقة والوعي، إذ جاء في الإنجيل: “وتعرفون الحق، والحق يحرركم” (يوحنا 8: 32)، في إشارة إلى أن المعرفة الحقيقية تقوم على التحرر من الوهم والتلقين لا على إعادة إنتاجه.

 

المشكلة لا تكمن في استحضار التاريخ أو المناسبات، بل في طريقة تقديمها. فحين يُعاد صياغة الأحداث في قالب عاطفي صرف، أو تُقدَّم عبر الندب المستمر أو الإثارة الانفعالية أو حتى الوسائط الصوتية الصاخبة، يتحول الحدث من مساحة للفهم إلى حالة وجدانية مغلقة، تُقصي السؤال لصالح الاستجابة العاطفية.

 

ويزداد هذا الإشكال تعقيدًا حين يُنقل التاريخ في بعض المناسبات بلسان الحال لا بلسان الوقائع؛ أي عندما تُقدَّم الروايات في صور شعورية أو تمثيلية أو خطابية تُضخّم المعنى أو تُعيد تشكيل الحدث بما يخدم التأثير العاطفي، بدل الالتزام بما ورد من معطيات تاريخية موثقة. هنا لا يعود المتلقي أمام تاريخ يُفهم، بل أمام سردية تُعاش شعوريًا وتُستقبل بوصفها حقيقة مكتملة، رغم أنها قد تكون إعادة بناء وجدانية أكثر منها نقلًا دقيقًا للوقائع.

 

هذا التحول من “نقل الحدث” إلى “تمثيل الحدث” يخلق فجوة بين الحقيقة والإدراك، ويجعل الوعي الجمعي أكثر عرضة لإعادة التوجيه عبر الانفعال بدل البرهان.

 

ويؤدي ذلك إلى إنتاج وعي غير نقدي، يُعيد تكرار الروايات دون تمحيص، ويُغلق باب النقاش أمام الأجيال الجديدة، التي تنشأ على الاستجابة لا على الفهم، وعلى التلقي لا على التحليل.

 

إن المسؤولية في هذا السياق تقع على من يتصدرون الخطاب التربوي والديني والإعلامي، إذ لا يقتصر دورهم على نقل المعلومات، بل يمتد إلى تشكيل الوعي الجمعي. ومن هنا، فإن تحويل المنابر إلى أدوات لإثارة الانفعال بدل بناء المعرفة يمثل انحرافًا خطيرًا في وظيفة الخطاب العام.

 

في المقابل، لا يعني ذلك إقصاء العاطفة، بل إعادة ضبطها داخل إطار معرفي متوازن، بحيث تبقى جزءًا من التجربة الإنسانية، لا أداة لتوجيه الوعي أو تعطيله.

 

إنّ المجتمعات لا تنهض بالعاطفة وحدها، ولا بالعقل وحده، بل بوعي نقدي يوازن بينهما، ويمنع تحويل الإنسان إلى متلقٍ سلبي أو أداة لتلقي السرديات الجاهزة دون مساءلة.

 

وفي النهاية، فإنّ حماية عقول الأطفال من التلقين، وصون الوعي من التزييف، ليست مسؤولية فردية فحسب، بل مسؤولية مجتمعية وأخلاقية، لأن مستقبل المجتمعات يُصنع في لحظة تشكيل الوعي الأولى، لا بعد اكتماله.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى