
لم يعد الحديث عن الأقساط المدرسية مجرد نقاش موسمي يسبق فتح أبواب المدارس. بالنسبة إلى كثير من العائلات اللبنانية، أصبح القسط واحدًا من أكبر الهموم التي تفرض نفسها كل سنة، وربما الهم الذي يبدأ التفكير فيه قبل انتهاء العام الدراسي السابق.
الزيادة تأتي، والأهل يتدبرون أمرهم.
مرة يقال إن رواتب الأساتذة ارتفعت، ومرة إن كلفة التشغيل زادت، ومرة إن المدرسة تحتاج إلى تطوير خدماتها. وكل ذلك مفهوم، لكن ما يحتاج إلى تفسير هو: هل كل زيادة تستطيع العائلة اللبنانية تحمّلها؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن يكون في صلب النقاش.
فالعائلة التي فقدت جزءًا كبيرًا من قدرتها الشرائية، والتي دفعت ثمن الأزمة الاقتصادية والحرب من مدخراتها وأعمالها وأمنها الاجتماعي، لا يمكن التعامل معها وكأن شيئًا لم يتغير.
راتب الأب لم يعد كما كان. دخل الأم، إن كانت تعمل، بالكاد يغطي جزءًا من المصاريف. أسعار المواد الغذائية ترتفع، الطبابة أصبحت عبئًا، النقل له حسابه، وفواتير البيت لا تنتظر أحدًا.
ثم يأتي القسط المدرسي.
وفي بعض العائلات، لا نتحدث عن ولد واحد، بل عن ولدين وثلاثة وأحيانًا أكثر.
هنا تتحول الزيادة من نسبة على ورقة إلى مبلغ حقيقي يخرج من جيبة الأسرة. مبلغ قد يعني الاستغناء عن شيء أساسي، أو تأجيل فاتورة، أو اللجوء إلى الاستدانة.
والأهل في معظم الأحيان لا يعترضون لأنهم لا يريدون التعليم الجيد لأولادهم. بالعكس، هم مستعدون لدفع الكثير عندما يعرفون أن ما يدفعونه يعود فعلًا على أولادهم. لكن ما يرفضونه هو أن تتحول كل سنة دراسية إلى مفاجأة جديدة، وأن يجدوا أنفسهم أمام زيادات لا يعرفون كيف ستنعكس على ميزانية البيت.
المشكلة أيضًا أن الأهل محاصرون من الجهتين.
المدرسة الخاصة أصبحت بالنسبة إلى كثيرين ضرورة، في ظل واقع التعليم الرسمي وما يعانيه من مشكلات، وفي الوقت نفسه أصبحت كلفة التعليم الخاص أعلى بكثير من قدرة شريحة واسعة من اللبنانيين.
فماذا يفعل الأهل؟
هل يتركون المدرسة التي أمضى فيها ابنهم سنوات؟ هل ينقلونه إلى مدرسة أخرى فقط لأن القسط أصبح أكبر من قدرتهم؟ هل يطلبون من أولادهم أن يتحملوا نتائج أزمة لم يكونوا سببًا فيها؟
التعليم حق، وليس من الطبيعي أن يشعر الأب أو الأم كل عام بأن بقاء ابنه في مدرسته أصبح معركة مالية.
نحن لا نقول إن المدارس لا يحق لها رفع أقساطها. ولا نقول إن إدارات المدارس لا تواجه أعباء وتكاليف حقيقية. لكن بين حق المدرسة في تأمين استمراريتها وحق الأهل في الحفاظ على قدرتهم على العيش، يجب أن تكون هناك مساحة للمنطق.
والمنطق يبدأ بالشفافية.
أن يعرف الأهل لماذا زاد القسط، وما الذي تغير، وما هي المصاريف التي تستدعي هذه الزيادة، وأن تكون هناك مراعاة فعلية للظروف التي يعيشها الناس، لا مجرد مطالبتهم بالدفع لأن العام الدراسي بدأ.
في النهاية، وراء كل قسط أب وأم.
هناك أب قد يكون أمضى يومه في العمل ليعود إلى منزله ويفكر من أين سيؤمّن القسط. وهناك أم تؤجل حاجاتها الخاصة حتى تؤمّن حاجات أولادها. وهناك عائلة كاملة تعيد ترتيب حياتها كل سنة كي لا يشعر أولادها بأن الأزمة الاقتصادية حرمتهم من حقهم في التعليم.
هؤلاء الناس لا يطلبون مدرسة مجانية.
ولا يطلبون أن تتوقف المدارس عن التطور.
هم يطلبون فقط أن يُنظر إليهم كجزء من هذه المعادلة، لا كجهة عليها أن تدفع مهما كانت الظروف.
لأن التعليم إذا أصبح فوق قدرة الناس، فلن تكون المشكلة في قيمة القسط وحدها.
المشكلة ستكون في عائلات تضطر إلى الاختيار بين تعليم أولادها وبين قدرتها على الاستمرار.
وهذا ثمن لا يجب أن يدفعه الأهل وحدهم.
جوني خلف – رئاسة التحرير



