قضايا اجتماعية

بين حريّة السوق والعدالة الاجتماعيّة: بلدية الدوير بين ضبط التسعيرة وحماية المصلحة العامّة

 

 

د. رنا حسين حطيط/أستاذة أكاديمية وخبيرة دولية في التكنولوجيا التربوية والذكاء الاصطناعي

خاص libanpress24

 

أثار قرار بلديّة الدوير بتنظيم تسعيرة نقل المياه ووضع سقف لأجور بعض العمالة الوافدة نقاشًا واسعًا بين مؤيّد ومعارض. وانطلقت معظم الاعتراضات من مبدأ حرية السوق، معتبرة أنّ الأسعار يجب أن تُترك لقوى العرض والطلب. إلا أنّ هذا النقاش يغفل سؤالًا أساسيًا: هل تبقى حرية السوق مطلقة عندما تتحوّل حاجة الناس إلى فرصة للاستغلال؟

 

في الظروف الطبيعيّة، يُعدّ مبدأ المنافسة الحرّة أحد ركائز الاقتصاد، لكن في الظروف الاستثنائيّة، كالأزمات المعيشية أو شحّ الموارد، يصبح تدخل بلديّة الدوير لتنظيم بعض القطاعات إجراءً يهدف إلى حماية المصلحة العامّة. فالحرية الاقتصاديّة لا تعني السماح بالاحتكار أو استغلال حاجة المواطنين، بل يجب أن تتوازن مع المسؤوليّة الاجتماعيّة.

 

في ما يتعلق بنقل المياه، تبدو الصورة واضحة. فالمياه تُقدَّم ضمن مبادرات إنسانيّة تهدف إلى التخفيف من معاناة الأهالي، وبالتالي فإنّ تحديد بدل نقل ثابت يضمن عدم تحويل هذه المبادرة إلى وسيلة لتحقيق أرباح مبالغ فيها، ويحافظ على الهدف الأساسي منها، وهو خدمة الناس لا استغلالهم.

 

أما في ما يخصّ تنظيم أجور العمالة، فقد أثار القرار نقاشًا أوسع، غير أنّ بلدية الدوير أوضحت أنّ الهدف هو الحد من الفوضى في تحديد الأجور بعد شكاوى متكرّرة من المواطنين حول ارتفاعات غير مبرّرة. كما أنّ هذا التنظيم يساهم في تشجيع الاستعانة باليد العاملة اللبنانيّة، بما يدعم الاقتصاد المحلي ويخلق توازنًا في سوق العمل، مع الحفاظ على أجر عادل ومُنصف للعامل الوافد.

 

ومن المهم التمييز بين تحديد سقف تنظيمي للأجور وبين منع الإحسان أو المكافأة الطوعيّة. فلا شيء يمنع صاحب العمل من منح العامل أجرًا إضافيًا أو مكافأة إذا رغب بذلك، شريطة أن يكون ذلك نابعًا من قناعة شخصيّة لا من ضغط أو استغلال أو فوضى في التسعير.

 

إنّ العدالة الاجتماعية لا تتحقّق بإطلاق يد الأقوى لفرض شروطه، ولا بإلغاء حقوق العامل، بل بإرساء توازن يحفظ كرامة جميع الأطراف. فالمواطن يحتاج إلى خدمة بسعر معقول، والعامل يستحق أجرًا كريمًا، وصاحب العمل يحتاج إلى كلفة عادلة، والمجتمع يحتاج إلى استقرار اقتصادي.

 

لذلك، فإنّ تقييم قرارات بلديّة الدوير يجب أن ينطلق من أهدافها ونتائجها، لا من الشعارات العامّة وحدها. فإذا كان التنظيم يحدّ من الاستغلال، ويحافظ على المبادرات الإنسانيّة، ويدعم الاقتصاد المحلي، ويحقّق توازنًا بين مختلف الأطراف، فإنّه يصبح أداة لحماية المجتمع لا تقييدًا لحرية السوق.

 

فالحريّة الاقتصادية قيمة أساسيّة، لكنّها ليست مطلقة. وعندما تتعارض حريّة الربح مع حقّ النّاس في العيش بكرامة، تصبح العدالة الاجتماعيّة هي البوصلة الّتي ينبغي أن توّجه القرار العام، لأن المجتمعات لا تُبنى على حريّة الفرد وحدها، بل على التوازن بين الحقوق والواجبات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى