من «حمل الله» إلى كربلاء: هل تُخلِّد الدماءُ القضايا… أم يُخلِّدها الوعي؟

بقلم د. رنا حسين حطيط/ أستاذة أكاديميّة وخبيرة في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي واللغويات التطبيقيّة

كتبت في Libanpress24:
ليست المشكلة في الدم حين يُراق، بل في المعنى الّذي يُمنح له. فهناك لحظات في التاريخ تتحوّل فيها التضحية من حدثٍ عابر إلى رمزٍ إنساني يعيد طرح أسئلة العدالة، والحق، والكرامة، والعلاقة بين الإنسان والسلطة.
ولا تهدف هذه المقالة إلى المساواة بين العقائد أو إسقاط مفهوم ديني على آخر، وإنّما إلى قراءة ثلاث صور رمزيّة وردت في سياقات دينيّة وتاريخيّة مختلفة، للتأمل في الكيفيّة الّتي تحوّلت بها التضحية إلى مصدر لِمعاني الصمود والوفاء للمبدأ.
*«حمل الله»… حين يصبح الفداء عقيدة*
في الإنجيل، يرد وصف السيد المسيح بقوله:
««هوذا حمل الله الّذي يرفع خطيّة العالم».
(يوحنا 1:29)
كما يرد في سفر إشعياء:
«كشاةٍ تُساق إلى الذبح».
(إشعياء 53:7)
وفي العقيدة المسيحية، تحمل هذه النصوص دلالات ترتبط بالفداء والخلاص، وهي دلالات خاصّة ببنيتها اللاهوتيّة.
«الذبيح العظيم»… اختبار الطاعة لا تمجيد الذبح
أما في القرآن الكريم، فتأتي قصة إبراهيم وابنه في سياق مختلف تمامًا، إذ يقول تعالى:
﴿إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ… وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾
(الصافات: 102-107).
فالذّبح هنا لا يتحقّق، بل يتحول إلى اختبار للطاعة والإيمان، ثم إلى فداء إلهي، ليؤكّد أنّ المقصود ليس سفك الدم، وإنّما صدق الامتثال.
*كربلاء… عندما يتحول التاريخ إلى ضمير*
ومن النصوص الدينيّة إلى التاريخ الإسلامي، تبرز كربلاء بوصفها واحدة من أكثر الوقائع تأثيرًا في الوجدان الإسلامي، لا لأنّها كانت معركة عسكرية فحسب، بل لأنّها تحوّلت إلى رمز للموقف الأخلاقي حين تتصادم المبادئ مع القوّة.
*هل خرج الحسين للحرب؟ قراءة في الوقائع لا في الانطباعات*
من المهم تصحيح صورة شائعة تختزل واقعة كربلاء في مشهد القتال وحده. فلم يخرج الإمام الحسين عليه السلام من المدينة طالبًا حربًا، ولم يصطحب أهل بيته لتشكيل جيش أو خوض معركة، بل خرج رافضًا مبايعة السلطة القائمة، واستجابةً لآلاف الرسائل الّتي بعث بها أهل الكوفة، معلنين رفضهم للواقع السياسي، ومطالبين إياه بالقدوم لقيادتهم.
وللتثبت من صدق هذه الدعوات، أرسل ابن عمّه مسلم بن عقيل إلى الكوفة، فجاءته الأخبار الأولى مؤيّدة لما ورد في تلك الرسائل، لكن المشهد تبدّل سريعًا بعد وصول عبيد الله بن زياد، الّذي فرض قبضة أمنية صارمة، وفرّق أنصار الحسين بالترهيب، وانتهى الأمر باستشهاد مسلم بن عقيل قبل وصول الإمام.
*حين أُغلقت أبواب التسوية*
تكشف المصادر التاريخية أنّ الإمام الحسين لم يكن يسعى إلى المواجهة العسكريّة، بل عرض أكثر من مخرج يجنّب الأمّة القتال؛ منها أن يعود من حيث أتى، أو أن يتّجه إلى أحد الثغور، أو أن يلتقي يزيد مباشرة. غير أنّ هذه المقترحات لم تلقَ قبولًا، وأُغلقت أبواب الحل، حتّى انتهت الأزمة إلى مأساة كربلاء.
وعندها أصبحت المواجهة مفروضة لا مختارة، وأصبح موقف الحسين دفاعًا عن الكرامة ورفضًا للإذلال، لا بحثًا عن الحرب لذاتها.
بعد عاشوراء… لماذا لم تتكرّر كربلاء؟
لعلّ أكثر ما يستحق التأمّل أنّ كربلاء لم تتحوّل إلى نموذج دائم في سيرة أئمّة أهل البيت.
فبعد استشهاد الإمام الحسين سنة 61 هـ، لم يتبنَّ الأئمّة نهج الثورة المسلحة المستمرة، بل تعاملوا مع الواقع وفق ما تقتضيه المصلحة الشرعيّة والظروف السياسيّة.
فانصرف الإمام زين العابدين إلى إعادة بناء الإنسان بعد الفاجعة، وأسّس الإمامان الباقر والصادق مدرسة علميّة وفقهيّة كان لها أثر بالغ في حفظ معارف الإسلام، واستمر هذا النهج مع بقية الأئمّة.
ويمتد هذا المسار نحو قرنين من الزمن، من كربلاء إلى الإمام الحسن العسكري، دون أن يشهد التاريخ تكرارًا لملحمة عاشوراء بقيادة أحد الأئمّة. وهو ما يكشف أنّ مقاومة الظلم لا تنحصر في حمل السلاح، بل قد تكون بالعلم، وبناء الوعي، وحفظ المجتمع، وصيانة الرسالة.
*من السيف إلى بناء الإنسان*
إنّ اختلاف مواقف أهل البيت لم يكن اختلافًا في المبادئ، بل في الوسائل.
فكما اقتضت الحكمة من الإمام الحسن الصلح، اقتضت من الإمام الحسين الرفض، ثم اقتضت من الأئمة من بعده بناء الإنسان وحماية الرسالة بالعلم والتربية وإحياء الضمير الإسلامي.
فالرسالة بقيت واحدة، لكن وسائل الحفاظ عليها تغيّرت بتغيّر الظروف.
*كربلاء ليست وصفةً تتكرر*
ولعلّ أكبر خطأ في قراءة عاشوراء هو تحويلها إلى نموذج جامد يُستنسخ في كلّ زمان ومكان.
فالقضيّة الّتي حملها الحسين ليست دعوة إلى الموت، بل دعوة إلى نصرة الحق. والوسائل الّتي تحفظ هذا الحق تختلف باختلاف الزمان والمكان والقدرة والمصلحة.
فالوفاء للحسين لا يكون بتكرار كربلاء، بل بفهمها، واستلهام قيمها، والتمييز بين الموقف الّذي يفرض المواجهة، والموقف الّذي يجعل بناء الإنسان والوعي هو الطريق الأنجع لحماية الرسالة.
*ليست البطولة في الموت… بل في حماية الرسالة*
إنّ البطولة الحقيقيّة ليست في طلب الموت، وإنّما في معرفة متى يكون الثبات واجبًا، ومتى يكون حفظ الإنسان والقضيّة هو عين الحكمة.
وبين «حمل الله» في العقيدة المسيحية، و«الذبيح العظيم» في القصّة القرآنيّة، وكربلاء في التاريخ الإسلامي، لا يوجد تطابق في العقائد ولا في الدلالات اللاهوتيّة، لكن ثمّة خيطًا إنسانيًا يجمع بينها جميعًا: أنّ الإنسان قد يُدعى، في لحظات فاصلة من التاريخ، إلى دفع ثمن موقفه دفاعًا عن الحق.
*ويبقى السؤال…*
هل الّذي يُخلِّد القضايا هو الدم وحده؟
أم أن الدم يصبح خالدًا فقط عندما يتحوّل إلى وعيٍ يحفظ القيم، ويبني الإنسان، ويمنع تكرار المأساة؟
لعلّ هذا هو السؤال الّذي تطرحه علينا النصوص الدينيّة، وتاريخ كربلاء، وتجربة أئمة أهل البيت جميعًا. فالتاريخ لا يطلب منّا أن نكرّر المآسي، بل أن نتعلّم منها؛ لأنّ أعظم انتصار للحق ليس أن يكثر الشهداء، بل أن يقلّ الظلم، وأن يبقى الإنسان وفيًّا للمبدأ، مهما تغيّرت وسائل الدفاع عنه.
تنويه:
إن الآراء والمواقف والمعلومات الواردة في هذه المقالة تعبّر عن وجهة نظر كاتبها حصراً، ولا تعكس بالضرورة سياسة أو موقف موقع LibanPress24. وعليه، فإن الموقع غير مسؤول عن مضمون المقالة أو أي آراء تتضمنها، وتبقى المسؤولية الكاملة على عاتق كاتبها.




