منوعات

فرقة “جذور” للدبكة… حين ينهض الجنوب بتراثه في وجه صورة النار


في زمنٍ أُريد فيه للجنوب اللبناني أن يُختزل بلونٍ واحد، وصوتٍ واحد، وخطابٍ واحد، خرجت فرقة “جذور” للدبكة من النبطية، لا لتعارض بالصراخ، بل لتقول ما هو أعمق: نحن هنا… كما كنّا دائمًا.


خرجت لتعيد تعريف الجنوب، لا بوصفه ساحة، بل هوية. لا كخزان غضب، بل كأرض فرح.


عبر برنامج “يلا نِدبك” على شاشة MTV اللبنانية، لم تكن “جذور” مجرد فرقة فنية تقدّم عرضًا متقنًا، بل كانت فعل استعادة. استعادة للذاكرة الجنوبية التي حاولت السياسة أن تطمسها، وللإنسان الجنوبي الذي يعرف الدبكة قبل البندقية، والزغاريد قبل الصواريخ، والعرس قبل المأتم.


ما فعلته “جذور” لم يكن عابرًا. التفّ حولها الجنوبيون، ثم اللبنانيون، لا لأنهم رأوا عرضًا جميلًا فحسب، بل لأنهم رأوا أنفسهم. رأوا جنوبًا يشبه بيوتهم، أعراسهم، سهراتهم، ترابهم، لا جنوبًا مصادَرًا باسم الشعارات الثقيلة واللغة الحديدية. وكأن الفرقة، من دون خطاب سياسي مباشر، وجّهت رسالة واضحة: “هذا هو الجنوب الحقيقي.
جنوب التراث، المحبة، الفن، البركة، والفرح الجماعي.
جنوب لا يعرّف نفسه بالنار والدم والبارود، ولا يقبل أن تُحتكر هويته أو يُصادَر تاريخه إقليميًا” .


في كل دبكة أدّتها “جذور”، كان هناك كسرٌ ناعم للصورة النمطية. كسر بلا صدام، وبلا كراهية. فالتراث، حين يُقدَّم بصدق، يصبح أبلغ من أي بيان، وأقوى من أي خطاب تعبوي. إنه مقاومة من نوع آخر: مقاومة النسيان، ومقاومة الاختزال.


فرقة “جذور” لم تقل لحزب الله: أنتم مخطئون.
بل قالت: لسنا نسخة واحدة. لسنا صوتًا واحدًا. ولسنا رواية واحدة. قالت إن الجنوب أوسع من أن يُحبس في مشروع، وأغنى من أن يُختزل في بندقية.


وهنا يكمن الجمال.. فالدبكة، حين تُؤدّى بهذه الروح، تُعيد ترتيب الوعي، وتذكّر الناس بأن الهوية لا تُفرض، بل تُعاش. وأن الانتماء الحقيقي لا يُقاس بكمية الشعارات، بل بقدرة الإنسان على الفرح، وعلى صناعة الحياة رغم كل شيء.
“جذور” لم تخرج من النبطية لتنافس أحدًا، بل لتذكّر الجميع، في الجنوب وخارجه، بأن هذه الأرض أنجبت فنانين تراثيين، شيعة جبل عامل اللبنانيين المحبّين، قبل أن تنجب المقاتلين، وأعراسًا قبل المتاريس، وحكايات حب قبل حكايات دم.
وفي بلدٍ متعب من السياسة، جاءت “جذور” لتقول:
دعونا نرقص… لنتذكّر من نكون.

بقلم رئيس تحرير موقع libanpress24 “جوني خلف”

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى