بين النزوح والقاعات.. حين تُفرض الدراسة وكأن الحرب لا تعني أحدًا

كتب جوني خلف:
في بلدٍ لم يلتقط أنفاسه بعد من أزماته المتراكمة، يبدو أن بعض المؤسسات التربوية قررت أن تتصرّف وكأن الواقع خارج أسوارها لا يعنيها. فبينما تستمر تداعيات الحرب الطاحنة على لبنان، وتتمدّد موجات النزوح من الجنوب وضاحية بيروت إلى الشمال او المناطق الجبلية والى ما هنالك، يُفاجَأ آلاف الطلاب بقرارات ادارية همجية، تُلزمهم بالعودة إلى الصفوف حضوريًا، وكأن الطريق إلى الجامعة أو المدرسة بات آمنًا أو متاحًا للجميع.
أي منطق هذا الذي يفترض أن طالبًا نزح مع عائلته إلى أقصى الشمال، او أعالي المتن مثلًا، قادر على قطع عشرات أو مئات الكيلومترات يوميًا ليحضر محاضرة في بيروت؟ وأي عدالة تربوية تُبنى على تجاهل ظروف قاهرة فرضتها الحرب، لا خيار فيها للطلاب ولا لعائلاتهم؟
إن الإصرار على العودة الحضورية من بعض المدارس والجامعات في هذه الظروف لا يعكس حرصًا على جودة التعليم بقدر ما يكشف انفصالًا مقلقًا عن الواقع. فالطالب اليوم لا يواجه فقط تحدي التحصيل العلمي، بل يعيش تحت ضغط نفسي وأمني ومعيشي هائل. بعضهم فقد منزله، وبعضهم يعيش في مراكز إيواء، وآخرون بالكاد يؤمّنون أساسيات الحياة. فهل يُعقل أن يكون همّ المؤسسة التربوية في هذه اللحظة هو تسجيل الحضور والغياب؟
ثم ماذا عن تكافؤ الفرص؟ عندما يُجبر الطالب القادر ماديًا أو المقيم قريبًا من المؤسسة على الحضور، فيما يُحرم آخرون بسبب النزوح أو الظروف الأمنية، فإننا لا نتحدث عن تعليم، بل عن تمييز مقنّع يُقصي الأكثر ضعفًا.
الأكثر إيلامًا أن الحلول البديلة موجودة، وقد أثبتت فعاليتها في أزمات سابقة. التعليم عن بُعد ليس ترفًا، بل ضرورة في حالات كهذه. المرونة في التقييم، اعتماد النماذج الهجينة، مراعاة الظروف الفردية… كلها خيارات واقعية، لكنها تتطلب قرارًا شجاعًا يضع الإنسان قبل النظام.
في زمن الحرب، لا يمكن إدارة التعليم بعقلية الروتين. فإما أن تكون المؤسسات التربوية جزءًا من شبكة الأمان الاجتماعي، أو تتحول إلى عبء إضافي على كاهل طلاب أنهكتهم الظروف.
الرهان اليوم ليس فقط على استمرار العام الدراسي، بل على إنقاذ ما تبقى من عدالة وإنسانية في هذا القطاع. لأن التعليم، في جوهره، ليس حضورًا في قاعة… بل قدرة على الاستمرار رغم كل شيء.




