حين يُحاصَر الخبز… هل يقترب لبنان من شبح المجاعة؟

د. رنا حطيط / أستاذة أكاديميّة وخبيرة دوليّة في تكنولوجيا التعليم واللغويّات التطبيقيّة
Libanpress24
قد لا يكون الحصار دائمًا بأسلاكٍ شائكة، ولا بجيوشٍ تحتل الأرض، بل قد يأتي على هيئة صهاريج لا تصل، وأفران تخشى التوقف، ومحطات وقود تُغلق أبوابها، وشاحنات تتأخر، وأسواق تفرغ رفوفها بصمت. وحين يصبح الخبز معركة، والمازوت أمنية، والدواء رفاهية، فإن السؤال لم يعد: ماذا يحدث؟ بل إلى أين يُراد لهذا المشهد أن يصل؟
ما يشهده الجنوب اليوم يتجاوز تداعيات الحرب العسكرية وآثارها الأمنية. فمع تفاقم أزمة المحروقات، ونقص المواد الأولية والغذائية، وتعثّر سلاسل الإمداد، يلوح في الأفق مشهد أكثر قسوة، وكأنّ الحرب تُغيّر أدواتها فقط؛ من صوت المدافع إلى ضغط الاقتصاد، ومن خطوط النار إلى خطوط الإمداد.
قد يختلف المحللون في توصيف ما يجري، لكنهم يتفقون على حقيقة واحدة: لا يمكن لأي مجتمع أن يصمد طويلًا إذا حُرم من مقوّمات حياته الأساسية. فحين تتوقف عجلة الإنتاج، وتتعثر الأفران، وتضيق سبل العيش، لا يبقى الاقتصاد مجرد أرقام، بل يصبح قضية وجود وكرامة.
إنّ أخطر ما في الأزمات الاقتصادية أنّها تتسلّل بهدوء، لكنها حين تبلغ ذروتها لا تُعلن وصولها إلا عبر انفجار اجتماعي يصعب احتواؤه. فالجوع لا يعترف بالحسابات السياسية، ولا يميز بين موالاة ومعارضة، ولا ينتظر توافقات الغرف المغلقة.
أما الصمت، فهو ليس دائمًا عنوانًا للحكمة. فالصمت أمام معاناة الناس قد يُقرأ على أنّه عجز، أو تجاهل، أو قبول بالأمر الواقع. وفي جميع الأحوال، فإنّ ترك مجتمع بأكمله يواجه ضغوطًا معيشيّة متراكمة دون حلول حقيقية، هو رهان بالغ الخطورة على قدرة الناس على الاحتمال.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل انتقل الجنوب من مواجهة حرب عسكرية إلى مواجهة حرب اقتصادية ناعمة؟ وهل ما نشهده مجرد أزمة عابرة فرضتها الظروف الإقليميّة، أم أنّ هناك مسارًا يقود إلى مزيد من الاختناق المعيشي؟
التاريخ لا يقدّم إجابات جاهزة، لكنه يقدّم دروسًا واضحة: الشعوب قد تصبر على الألم، وقد تتكيّف مع الخوف، لكنّها حين تُدفع إلى حافة الجوع، تتغيّر قواعد اللّعبة كلّها.
وهيهات… هيهات إذا دبّ الجوع في البيوت، وبلغت القلوب الحناجر، فإنّ الاحتقان لا يبقى شعورًا مكتومًا، بل يتحوّل إلى قوّة اجتماعيّة يصعب التنبؤ بمآلاتها. وعندها، لن يكون السؤال: من أشعل الشرارة؟ بل لماذا تُركت أسبابها تتراكم حتى بلغت هذا الحدّ؟




