اخبار إقتصادية

الاقتصاد الأزرق.. الملاذ الآمن لكوكبنا. حقائق وارقام


كتبت الدكتورة فاطمة كمال عز الدين

عرّف البنك الدّولي الاقتصاد الأزرق بأنّه “الاستخدام المستدام لموارد المحيط من أجل النّموّ الاقتصاديّ وتحسين سبل العيش والوظائف، مع الحفاظ على صحّة النّظام الإيكولوجيّ للمحيط.” وقد أطلق هذا المفهوم الاقتصاديّ البلجيكيّ “غونتر باولي” في أعقاب المبادرة العالمية الّتي نفّذتها منظّمة الأغذية والزّراعة للأمم المتحدّة “الفاو” في العام 2012.


أدّى ظهور مفهوم الاقتصاد الأزرق إلى إعادة التّفكير جدّيًّا في واقع البحار والمحيطات وما يرتبط بها، بخاصّة في ظلّ التّحدّيات الّتي تواجهها من اختلال في النّظم الإيكولوجيّة وعدم الاستغلال الأمثل للموارد الطّبيعيّة، وقد أُعْطِي أهمّيّة كبيرة لهذا الاقتصاد، من طرف العديد من الدّول والمنظّمات الدّوليّة، لدوره كمحفّز لتطوير السّياسات والاستثمار والابتكار في دعم الأمن الغذائيّ، والإدارة المستدامة للموارد المائيّة المتنوّعة. إذ تُسهم البحار والمحيطات في القضاء على الفقر من طريق إيجاد سُبل عيش مُستدامة، وعمل لائق وتَوفير المعادن، وامتصاص غازات الاحتباس الحراريّ، والتّخفيف من آثار التّغيّرات المناخيّة، وتَحديد أنماط الطّقس ودرجات الحرارة، والعمل كطرائق سريعة للتّجارة الدّوليّة.


يستمدّ الاقتصاد الأزرق أهمّيته كون البحار والمحيطات تغطّي 71% من سطح الكرة الأرضيّة، وتحتضن نسبة ما بين 50-80% من جميع أشكال الحياة على الأرض، ووفاقًا للإدارة الوطنيّة لعلوم المحيطات والغلاف الجويّ (NOAA)، يقدّر العلماء أنّ أكثر من 50% من إنتاج الأوكسجين على الأرض يأتي من المحيط. ولكن تغيّر المناخ والتّدهوّر البيئي والتّلوث وارتفاع مستويات الحطام البحري والممارسات السّيئة لإدارة مصايد الأسماك تعرض بحارنا ومحيطاتنا للخطر بشكل متزايد. هذه المخاوف وغيرها من الضّغوط لإيجاد حلول للحفاظ على بيئة المحيطات، أدّت إلى تخصيص الهدف الرّابع عشر من أهداف التّنمية المستدامة للأمم المتحدّة، لـ “الحفاظ على المحيطات والبحار والموارد البحريّة والاستخدام المستدام لها.” بخاصّة أنّه يعيش أقل من نصف سكان العالم بقليل على بعد 100 كيلومتر من المناطق السّاحليّة، وبالنّسبة إلى دول مثل: تايلاند، كرواتيا أو جزر المالديف، فإنّ السّياحة البحريّة السّاحلية هي المصدر الرّئيس للدّخل. كذلك توفّر الرّياضات المائيّة وتصنيع ملابسها ومعدّاتها، مثل الغوص والإبحار وركوب الأمواج ملايين الوظائف في جميع أنحاء العالم، ونجد أنّ محيطاتنا هي أيضًا موطن لمجموعة كبيرة ومتنوّعة من الصّناعات النّاشئة في مجال التّواصل العلميّ، وروبوتات أعماق البحار، والمعلوماتيّة الحيوية. علاوة على ذلك، يرى العديد من الخبراء أنّنا لم نخدش حتّى سطح ما تقدّمه محيطاتنا من حيث الإنزيمات الصّناعيّة والأدوية والمكملات الغذائيّة والحلول الطّبّية.
لذا يتطلّب ضمان صحّة النّظام الإيكولوجيّ للمحيط، ودعم جهود التّنمية المستدامة، دعمًا موجّهًا للقطاعات الرّئيسة، بما في ذلك تربية الأحياء المائيّة، والسّياحة، والطّاقة، والشّحن وأنشطة الموانئ، والتّعدين في قاع البحار، فضلًا عن المجالات المبتكرة، مثل الطّاقة المتجدّدة والتّكنولوجيا الحيويّة البحريّة، وتوليد الطّاقة البحريّة المستدامة من مصادر الطّاقة المحتملة، كطاقة توربينات الرّياح العائمة، وطاقة الأمواج، وطاقة المدّ والجزر، والطّاقة الحراريّة للمحيطات والطّاقة التّناضحية. بالإضافة إلى الطّاقة المستدامة النّاشئة، مثل الوقود الحيوي القائم على الطّحالب. ومن الضّروري اعتماد لوائح لاستعادة الأرصدة السّمكيّة وحمايتها والنّظم البيئيّة المتضرّرة، مثل أشجار المانجروف والمستنقعات والأعشاب البحريّة الّتي يتراكم الكربون في تربتها ورواسبها ونباتاتها. ولزيادة مرونة النّظم البيئيّة البحريّة والسّاحليّة، من المهمّ تخصيص الموارد لتنظيف المناطق الملوّثة، واستعادة غابات الطّحالب الكبيرة والشّعاب المرجانية، وحتّى تصميم الشّعاب المرجانية الاصطناعيّة.

مبادرات دولية
بدأ العالم ينتبه إلى أهمّية الاقتصاد الأزرق المستدام؛ إذ شهد مؤتمر المحيط – لشبونة الّذي عُقد أواخر شهر حزيران 2022، الالتزام باستثمار مليارات الدّولارات في إطار إدراك أنّ تعدّدية الأطراف أمر مهمّ لتحقيق الأهداف المشتركة. وقد ركّز المؤتمر على صناعات، مثل التّكنولوجيا الحيوية الزّرقاء وإزالة الكربون من النّقل البحريّ وتربية الأحياء المائية المستدامة ومصادر الطّاقة المتجدّدة البحريّة وغيرها. والتزمت الدّول (150) المُوقّعة على معاهدة لشبونة 2022، بتحسين الصّحّة والإنتاجيّة والاستخدام المستدام ومرونة المحيطات ونظمها البيئيّة. كما حذّرت من الآثار الضّارة لتغيّر المناخ على المحيطات والحياة البحرية، بما في ذلك ارتفاع درجة حرارة المحيطات.
ومن جانب آخر، خطّطت كينيا لإنشاء صندوق لدعم الاقتصاد الأزرق، كما تعهّدت الصّين بإطلاق 31 مشروعًا للحفاظ على البيئة البحريّة في السّنوات الخمس المقبلة. وتخطّط البرتغال لزيادة سعة الطّاقة المتجدّدة البحريّة إلى 10 غيغاواط بحلول العام 2030، كما التزمت الهند بحظر المواد البلاستيكية الّتي تستخدم لمرة واحدة. وفي هذا الصّدد، أعلن بنك التّنمية في أميركا اللاتينية التزامًا طوعيًّا بقيمة 1.2 مليار دولار لدعم المشروعات الّتي تفيد المحيطات في المنطقة.

حقائق وأرقام
لا بدّ من الإشارة إلى بعض الحقائق الّتي تبيّن مدى مساهمة الاقتصاد الأزرق في تحقيق التّنمية المستدامة:
وفاقًا لمنظمة التّعاون الاقتصاديّ والتّنمية(OECD) ، تقدّر قيمة اقتصاد المحيطات في جميع أنحاء العالم بـ 1.5 تريليون دولار سنويًّا، ومن المتوقّع أن تبلغ قيمة هذا الاقتصاد 3 تريليون دولار سنويًّا في العام 2030.
80% من التّجارة العالميّة تُنقل عبر البحار، وتوفّر السّياحة السّاحليّة والبحريّة ما يربو على 6.5 مليون وظيفة، فضلًا عن توفير صناعات الاقتصاد الأزرق سبلًا لكسب العيش، لما يزيد عن 820 مليون شخص في جميع أنحاء العالم في ميادين متنوّعة. بالإضافة إلى توفير السّلع والخدمات القابلة للقياس من النّاحية النّقديّة، تقدّم الشّعاب المرجانيّة وأشجار المنجروف ومروج الأعشاب البحريّة والأراضي الرّطبة خدمات مهمّة للنّظم البيئية، مثل حماية السّواحل وعزل الكربون.
تَمتَصّ المُحيطات نحو 30% من ثاني أكسيد الكربون الّذي يُنتجه البشر، وهو ما يُقلّل من آثار الاحتباس الحراريّ.
بحلول العام 2025، سيأتي أكثر من ثلث إنتاج النّفط والغاز من البحار والمحيطات.
نحو مليون نوع من الكائنات الحيّة يعيش في المحيطات 3/2، منها لم يكتشف بعد. وتعدّ الأعشاب البحريّة، الّتي تطوّرت منذ أكثر من 70 مليون سنة من العشب الأرضي، هي واحدة من أكثر النّظم البيئيّة البحريّة تنوّعًا وقيمة على هذا الكوكب.
يحتلّ الماء 71% من سطح الأرض، نحو 97% من هذه المياه مالحة، إذ توفّر المحيطات مكانًا لمعيشة نحو 200 مليون صنف حيوي.
وفاقًا لتقرير الاتّحاد الأوروبيّ للعام 2020، يوظّف الاقتصاد الأزرق 5 ملايين شخص في أوروبا، ويعمل في صيد الأسماك وتربية الأحياء المائيّة والسّياحة البحريّة والسّاحليّة أكثر من 350 مليون شخص في جميع أنحاء العالم.
وحسب الدّراسات، يمكن أن تلبّي طاقة الرّياح البحريّة 14% من الطّلب على الكهرباء في الاتّحاد الأوروبيّ فحسب بحلول العام 2030.
ووفاقًا لمنظمة الأغذية والزّراعة “ألفاو”، تمثّل الأسماك نحو 15.7% من الاستهلاك العالميّ للبروتين الحيوانيّ. وتسهم تربية الأحياء المائيّة في نصف هذه الكمية حاليًا، ولكن بحلول العام 2030، من المتوقّع أن ترتفع هذه النّسبة إلى 65%. ويَعتمد نحو أكثر من ثلاثة مليارات شخص على التّنوّع البيولوجيّ البحريّ والسّاحليّ في الحصول على البروتين وكسب سبل عيشهم.
تُقدّر القيمة السّوقية للموارد والصّناعات البحريّة والسّاحليّة على الصّعيد العالميّ، بنحو 3 تريليونات دولار أمريكي سنويًّا، وهو ما يُعادل نحو 5% من إجمالي النّاتج المحلّيّ العالميّ (GDP).
تحدّيات ومعوقات
وعلى الرّغم من المزايا المتعدّدة والآفاق الواعدة للاقتصاد الأزرق، فإنّ مسألة تطبيقه تواجهها مجموعة من التّحدّيات، أوّلها تزايد الضّغوط البشريّة على الأنظمة والموائل البحريّة، أنشطة النّقل والشّحن البحريّ، فقدان التّنوّع البيولوجي النّاتج عن تدهوّر رأس المال الطّبيعى للعديد من النّظم الإيكولوجيّة البحريّة والسّاحليّة، نقص الكوادر البشريّة المؤهّلة لتطبيق آليات الاقتصاد الأزرق في قطاعاته المختلفة، الممارسات السّيئة لإدارة مصايد الأسماك وردم الشّواطئ وأجزاء من الحيد المرجاني، إذ يسهم ذلك في التّقليل من إنتاجية هذه النّظم، وفي التّأثير في الفوائد والمساهمات الاقتصاديّة والتّنمويّة الّتي يمكن أن تقدّمها، بالإضافــة إلى التّلوّث البحـــريّ النّاشئ عن أنشطـــة استخراج المعادن والنّفط والغاز، ووفاقًا لتقارير الأمم المتحدّة تَتَدفّق أكثر من 80% من مياه الصّرف الصّحّي في العالم، وتَصل هذه النّسبة إلى نحو أكثر من 95% في بعض البلدان الأقل نموًّا، مباشرةَ إلى الأنهار والبحيرات، وفي نهاية المطاف إلى المحيطات.


كما أنّ الاحتباس الحراريّ النّاجم عن زيادة انبعاثات غازات الأنشطة البشريّة، يزيد من تَفاقم المحيط وتَدهوّر السّواحل، ويُسهم في زيادة حمضية المحيطات بطريقة سريعة. وفاقًا لبرنامج الأمم المتحدّة للبيئة (يونيب)، فإنّ كمّية القمامة البحريّة والنّفايات البلاستيكية تتزايد بشكل كبير. ومن دون اتّخاذ إجراءات هادفة، ومن المتوقّع أن تتضاعف انبعاثات البلاستيك في النّظم البيئيّة المائيّة ثلاث مرات تقريبًا بحلول العام 2040. وبحسب تقارير “Paul Buchwitz – DWS Group” أنّه على الرّغم من أهمّية محيطاتنا لكوكبنا، إذا واصلنا السّير على المسار الحالي تجاهها، فمن المحتمل أنّه بحلول العام 2100 سيكون ما يقرب من 50% من الحياة في محيطاتنا قد اختفت.
وختامًا،، يبدو واضحًا أنّ “الاقتصاد الأزرق” بدأ يأخذ مكانه ضمن الاقتصاد العالميّ، انطلاقًا من أهمّيته وقيمته في المساهمة في معدلات النّمو وتحسين مستويات المعيشة والحفاظ على البيئة بشكل مستدام، وعليه، يمكننا تطوير المشاريع والسّياسات والأطر والمبادرات والتّعاون وإعادة التّفكير في أفضل طريقة للحفاظ على محيطاتنا والحفاظ عليها للأجيال القادمة وللكوكب. وهناك العديد من التّجارب الدّوليّة النّاجحة فى هذا المجال: الصّين، بنغـلادش، سيشيل، مورشيوس، إندونيسيـــــا، الفيلبيــــن، النّرويج وأمريكا. وعلى الرّغم من حداثة المصطلح، فإنّ للدّول العربية تجاربَ ناجحةً أيضًا إلى حدّ ما كالمغرب، الإمارات، الكويت، تونس، وسلطنة عُمان. ولهذا، يتعيّن على الدّول جميعها تبنّي هذا المفهوم، إذ يشكّل الاقتصاد المستدام للمحيطات فرصة حقيقيّة أمام بلدان العالم لحماية التّنوّع البيولوجيّ فيها، والمحافظة على أمنها الغذائيّ والمناخيّ، وتنوّع مصادر الدّخل لديها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى