
تتسارع الاتصالات السياسية والدبلوماسية المتعلقة بلبنان، وسط تطورات توحي بأن الأيام المقبلة قد تحمل معطيات جديدة، خصوصًا مع اقتراب موعد الاجتماع العسكري في الولايات المتحدة، والتحرك الفرنسي باتجاه بيروت، وعودة ملفات داخلية إلى الواجهة. وفي المقابل، تتواصل الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب، ما يضع التحركات الدولية أمام مسؤولية ترجمة المواقف إلى خطوات فعلية، في ظل قلق متنامٍ من تطورات إقليمية قد تنعكس مباشرة على لبنان.
وتشير مصادر دبلوماسية إلى أن الزيارة السريعة لوزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو تعكس استمرار اهتمام باريس بالوضع اللبناني، خصوصًا أن فرنسا تسعى إلى المحافظة على دورها في أي ترتيبات أمنية مرتقبة في الجنوب.
وتأتي زيارة بارو، التي تشمل لقاءات مع الرؤساء الثلاثة وقائد الجيش والسفير الأميركي ميشال عيسى، قبيل انتقاله إلى الكويت لمواكبة الجولة الإقليمية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. وبحسب المعلومات، سيحضر لبنان في محادثات ماكرون، مع التركيز على مستقبل القوات الدولية، واحتمال إسناد مهام أمنية إلى قوة أوروبية، إلى جانب ملف السلاح ودعم المؤسسات اللبنانية.
وتبرز أهمية هذا التحرك مع اقتراب موعد الاجتماع العسكري الثلاثي في تامبا الأميركية في 20 تشرين الأول، حيث يستعد الوفد اللبناني لطرح استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، وأعمال التجريف وهدم المنازل، والقيود المفروضة على وصول المزارعين إلى أراضيهم.
وكان رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون قد أثار هذه الانتهاكات أمام الوفد الفرنسي، معتبرًا أنها تشكّل مخالفة للتفاهمات التي جرى التوصل إليها برعاية أميركية.
غير أن الرهان اللبناني على اجتماع تامبا يبقى مرتبطًا بالموقف الأميركي ومدى استعداده للضغط على إسرائيل. فالمشكلة لم تعد في غياب الاتصالات، بل في استمرار الاعتداءات رغم كل التفاهمات المعلنة، الأمر الذي يجعل أي تقدم دبلوماسي ناقصًا ما لم ينعكس على الأرض.
وفي موازاة التحرك الفرنسي، أعادت زيارة رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني تنشيط التواصل مع بيروت، مع تسجيل تقدم في البحث بتمويل مشاريع الكهرباء. وقد أعلن رئيس الحكومة نواف سلام أن المشروع القطري سيُعرض قريبًا على مجلس الوزراء، في خطوة قد تفتح المجال أمام دعم جديد لقطاع يعاني أزمات متراكمة.
داخليًا، لجأ «حزب الله» مجددًا إلى الشارع في محاولة للضغط على الدولة، بعدما جابت مجموعات من مناصريه شوارع بيروت ليل الجمعة السبت على متن دراجات نارية، وسط هتافات وشعارات حزبية، قبل أن ينتهي التحرك من دون تسجيل أي تطورات أمنية تُذكر.
وفي صباح اليوم التالي، عزّز الجيش اللبناني إجراءاته الأمنية في بيروت والضاحية الجنوبية، عبر تسيير دوريات وإقامة حواجز في عدد من المناطق، ضمن تدابير هدفت إلى ضبط الأمن وملاحقة المطلوبين ومنع أي تحركات قد تؤدي إلى توتير الأوضاع.
ويأتي هذا التطور في ظل استمرار الخلاف حول شحنة المتفجرات، وحصر السلاح بيد الدولة، وهو ملف لا يزال يشكّل إحدى أبرز العقبات أمام التفاهم الداخلي. وفي السياق نفسه، نفت معلومات متداولة صحة الأنباء عن صدور مذكرات قضائية بحق مسؤولين في الحزب، مشيرة إلى وجود أهداف سياسية وراء ترويجها.
وعلى صعيد العلاقات اللبنانية الإيرانية، حصل لقاء منفرد جمع وزير الخارجية يوسف رجي بنظيره الإيراني عباس عراقجي، استمر أكثر من ربع ساعة، وشهد نقاشًا مباشرًا حول المسائل العالقة بين بيروت وطهران، ومنها تعيين سفير إيراني جديد في لبنان.
وبحسب المعلومات، اتفق الجانبان على متابعة معالجة الخلافات دبلوماسيًا، في محاولة لمنع انتقال التباينات السياسية إلى أزمة مفتوحة في العلاقات الرسمية، خصوصًا أن الملفات المطروحة تتصل بقضايا تتجاوز التمثيل الدبلوماسي إلى طبيعة العلاقة بين البلدين.
قضائيًا، يعود قانون العفو العام إلى التداول السياسي، مع معلومات عن تحضير وفد من النواب السنّة للقاء الرئيس نواف سلام لمناقشة آليات تطبيقه. وتبرز في هذا الإطار معطيات عن احتمال اعتماد القضاء النص الذي أقرّه مجلس النواب، بدل الصيغة المتداولة بعد تدخل المجلس الدستوري، ما يستدعي توضيحًا قانونيًا لتفادي أي خلاف عند التنفيذ.
أما إقليميًا، فتتجه الأنظار إلى التصعيد بين السعودية والحوثيين، وسط معلومات تحتاج إلى تثبيت رسمي عن استعداد مصري للتدخل دفاعًا عن المملكة إذا طلبت ذلك، وعن تحرك برلماني لبحث تفويض بهذا الشأن.
وفي حال تأكدت هذه المعطيات، فإن دخول القاهرة على خط المواجهة سيحمل تداعيات تتجاوز حدود اليمن والسعودية، وقد يؤدي إلى إعادة ترتيب الحسابات الإقليمية، خصوصًا مع ارتباط التوتر القائم بالصراع الأوسع مع إيران.
ولا يمكن فصل هذه التطورات عن الوضع اللبناني، إذ إن أي تصعيد إقليمي إضافي سيؤثر في فرص التهدئة جنوبًا، وقد يزيد صعوبة التوصل إلى تفاهمات حول الملفات الأمنية والسياسية العالقة.
إذًا، تحمل الأيام المقبلة استحقاقات مهمة، أبرزها اجتماع تامبا وما قد ينتج عنه من تفاهمات بشأن الجنوب، بالتزامن مع التحرك الفرنسي والاتصالات الجارية على أكثر من مستوى. غير أن المعطيات المتوافرة لا تشير حتى الآن إلى قرب التوصل إلى تسوية شاملة، خصوصًا مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية والخلافات الداخلية حول الملفات الأمنية ومنها تشبّث حزب الله بعدم تسليم سلاحه للدولة، وايضًا الملفات السياسية.
وعليه، فإن أي تقدم في المفاوضات سيبقى محدودًا ما لم يقترن بخطوات واضحة على الأرض، في ظل ارتباط الوضع اللبناني بالتطورات الإقليمية واحتمال اتساع المواجهات. ومع استمرار هذه التعقيدات، تصبح الحاجة إلى قرارات حاسمة أكثر إلحاحًا، خصوصًا أن تأجيل معالجة الملفات العالقة لم يعد يضمن تفادي تداعياتها.
جوني ج خلف – رئاسة التحرير




