سياسةمقالات وتقارير

اتفاق الإطار على المحك.. “علي الطاهر” يعيد خلط أوراق التفاوض

كتب "جوني ج خلف"

 

لم تعد المفاوضات المرتبطة بلبنان تدور حول طاولة واحدة، ولا بين طرفين فقط. خلف الاتصالات المعلنة، تتحرك عواصم عدة لرسم حدود المرحلة المقبلة، في ظل ضغوط أميركية وحضور إيطالي وفاتيكاني متزايد، بينما تبقى عقدة «علي الطاهر» من أبرز الملفات في تحديد الاتجاه الذي سيسلكه المسار برمّته.

من هنا تكتسب زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى إيطاليا أهمية خاصة، إذ تشير المعلومات إلى أنها حققت الأهداف التي وضعت لها، ونجحت في تعزيز موقع لبنان لدى روما والفاتيكان. ولم يكن الحضور الفاتيكاني مجرد موقف معنوي، بل وفّر للبنان غطاءً سياسياً وروحياً يمكن الاستناد إليه في الاتصالات الدولية، كما تعزز إيطاليا حضورها ضمن شبكة التحرك الدبلوماسي الهادفة إلى الضغط على إسرائيل لتنفيذ ما نص عليه اتفاق الإطار.

 

هذه الحركة الأوروبية تترافق مع مسار أميركي أكثر مباشرة. فالمبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك طرح إشكالية تتجاوز الشكل التقليدي للمفاوضات، معتبراً أن جمع القوى اللبنانية حول طاولة واحدة لا يؤدي الغرض المطلوب إذا بقي «حزب الله» وإيران خارج العملية. والسؤال الذي طرحه براك يتصل بجوهر المشكلة: من يملك القرار القابل للتنفيذ، ومن يستطيع أن يضمن التزام الأطراف بما يتم الاتفاق عليه؟

 

براك لم يكتفِ بالحديث عن دور حزب الله وإيران في أي مفاوضات مقبلة، بل وجّه انتقاداً واضحاً لطهران، قائلاً إن رسالتها في لبنان تبدو وكأنها «لبنان لنا». واللافت أن هذا الكلام جاء في مرحلة تشهد اتصالات لإعادة تحريك المفاوضات بشأن الجنوب، ما فتح باب التساؤلات حول سبب طرح هذا الموقف في هذا التوقيت وما إذا كان مرتبطاً بما يجري التحضير له على مستوى المفاوضات.

لكن الصورة داخل حزب الله لا تبدو جامدة. فقد برز موقف نائب رئيس المجلس السياسي في الحزب محمود قماطي، الذي لم يغلق الباب نهائياً أمام احتمال التواصل المباشر مع الولايات المتحدة، رابطاً الأمر بالمصلحة والظروف التي تحكم القرار. غير أن الحزب سارع إلى تحديد المقصود من هذا الكلام، موضحاً أن قماطي كان يتحدث عن دعم مسار إسلام آباد، وليس عن فتح قناة تفاوض مع إسرائيل.

 

وبهذا التوضيح، أراد الحزب الفصل بين التواصل مع واشنطن وبين الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل. إلا أن إبقاء قنوات التواصل مع الأميركيين مفتوحة قد يشير إلى مرونة أكبر في التعاطي مع المسار الأميركي، خصوصاً مع معلومات تتحدث عن تغيّر في خطاب عدد من مسؤولي الحزب تجاه هذا المسار.

 

وبحسب المصادر، فإن هذا التغيير ارتبط أيضاً بفشل الحزب في تشكيل جبهة سياسية متماسكة قادرة على مواجهة الاتفاق أو تعطيل المسار التفاوضي. ولذلك تبدو اللهجة الجديدة أقرب إلى إعادة حسابات منها إلى تبديل كامل في الموقف، مع إبقاء الخيارات مفتوحة أمام التطورات المقبلة.

 

أما على الأرض، فتتركز الأنظار على «علي الطاهر»، الذي بات أحد المفاتيح الأساسية في النقاش الجاري حول ترتيبات الجنوب. وتشير مصادر إلى أن حزب الله يتعامل منذ اتفاق إسلام آباد مع مرحلة خفض للتصعيد، فيما ترى أن إسرائيل تحاول ضرب هذه المعادلة عبر الضغط في ملف «علي الطاهر»، بهدف تحقيق مكاسب سياسية وأمنية يمكن توظيفها داخلياً، ولا سيما انتخابياً.

 

حتى الآن، لا يبدو أن هناك عرضاً واضحاً ونهائياً حيال «علي الطاهر». أما الصيغة التي يعمل عليها رئيس مجلس النواب نبيه بري، فتقوم على حصر السلاح جنوب الليطاني مقابل الانسحاب الإسرائيلي، مع إبقاء المنطقة الواقعة شمال الليطاني تحت سقف استراتيجية الأمن الوطني اللبنانية.

وفي موازاة ذلك، أخذت روما لنفسها مساحة متقدمة في الملف اللبناني. فزيارة عون منحت لبنان دعماً إضافياً من الفاتيكان، وفتحت أمامه قناة أوروبية يمكن أن تشكل رافعة سياسية في مواجهة الضغوط الإسرائيلية. أما واشنطن فتواصل الدفع باتجاه صيغة تفاوضية تريد لها أن تكون قابلة للتطبيق، لا مجرد تفاهم سياسي يبقى حبراً على ورق.

وإذا كانت مواقف بعض مسؤولي الحزب قد أظهرت مرونة أكبر تجاه المسار الأميركي، فإن ذلك لا يعني أن الحزب انتقل إلى ضفة التأييد. الأرجح أن ما يحصل هو محاولة للتعامل مع واقع سياسي بات أكثر تعقيداً، بعدما تراجعت إمكانية تشكيل جبهة داخلية واسعة لوقف الاتفاق أو عرقلة المفاوضات.

 

المؤكد أن لبنان أمام خيارات صعبة، وليس أمام تسوية مكتملة. فالدعم الذي حصل عليه عون في روما يعزز قدرة الدولة اللبنانية على التمسك بموقفها، والتحرك الأميركي يضغط باتجاه نقل التفاهمات من مستوى الاتصالات إلى التنفيذ، بينما يحاول حزب الله الحفاظ على هامش مناورة يسمح له بالتكيف مع التطورات من دون تقديم تنازلات معلنة.

 

ويبقى «علي الطاهر» الامتحان الأكثر وضوحاً. فإذا أمكن الوصول إلى ترتيب يحفظ دور الجيش اللبناني ويمنع تحويل الموقع إلى بوابة لتدخّل إسرائيلي مباشر، فقد يصبح الملف خطوة على طريق تثبيت اتفاق الإطار. أما إذا استُخدم لفرض شروط أمنية جديدة أو لتوسيع هامش الحركة الإسرائيلية، فإن أي تقدم سياسي سيبقى مهدداً عند أول اختبار ميداني.

 

اذاً، المعركة الفعلية لا تقتصر على شكل الاتفاق أو الجهة التي ستجلس إلى طاولة التفاوض، بل تمتد إلى من يملك القدرة على فرض شروط المرحلة المقبلة. ومع تصاعد الضغوط الأميركية، وتعاظم الحضور الأوروبي والفاتيكاني، وسعي إسرائيل لانتزاع مكاسب إضافية في الجنوب، يبقى العامل الإيراني حاضراً في الحسابات اللبنانية. ولا يمكن استبعاد أن تسعى طهران إلى استخدام الساحة اللبنانية كورقة ضغط إذا تصاعدت المواجهة مع واشنطن، ولا سيما بعد المواقف الأميركية الأخيرة المرتبطة بمضيق هرمز.

وفي حال اختارت إيران الرد عبر لبنان، فقد يصبح «علي الطاهر» نقطة الانطلاق لهذا الضغط، سواء من خلال تحريك حزب الله أو رفع مستوى التصعيد تحت عناوين أمنية مرتبطة بالموقع. عندها لن يكون الملف مجرد تفصيل على هامش اتفاق الإطار، بل ورقة يمكن استخدامها للتأثير في مسار المفاوضات برمّته. ولذلك، فإن المرحلة المقبلة ستبقى مفتوحة على احتمالين متناقضين: إما أن تنجح الاتصالات الدولية في تثبيت اتفاق الإطار واحتواء الملفات العالقة، وإما أن تتحول الساحة اللبنانية مجدداً إلى مساحة لتبادل الرسائل بين واشنطن وطهران، ويكون الجنوب وأهل الجنوب أول من يدفع ثمنها.

جوني ج خلف – رئاسة التحرير

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى