
في الوقت الذي كانت فيه المنطقة تقف على حافة مواجهة كبرى مع إيران، جاء قرار تعليق الضربة الأميركية ـ الإسرائيلية ليمنح الاتصالات السياسية فرصة جديدة، ولو مؤقتة. وبينما تتجه الأنظار إلى ما إذا كانت هذه الهدنة ستفتح الباب أمام اتفاق أم أنها مجرد استراحة قصيرة قبل جولة تصعيد جديدة، يحاول لبنان اقتناص هذه اللحظة الإقليمية لطرح نفسه لاعباً في الحل، لا مجرد ساحة تنتظر نتائج صراعات الآخرين.
وكان قد أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الولايات المتحدة وإسرائيل وافقتا على تعليق الضربات التي كان يجري التحضير لها ضد إيران، بناءً على طلب من طهران ودول أخرى في الشرق الأوسط، شرط التوصل إلى اتفاق سريع.
وقال ترامب، في منشور عبر منصة «تروث سوشال»، إن بلاده كانت مستعدة لتوجيه ضربات إلى إيران باستخدام مستويات من القوة العسكرية لم تشهدها المنطقة منذ عقود، قبل أن يعلن تعليق الهجوم استجابة لطلب إيراني وإقليمي، مشدداً على أن هذا التعليق يبقى مشروطاً بالتوصل إلى اتفاق سريع، في وقت أكد فيه أن إسرائيل تشاركه هذا الالتزام.
وصرّح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو صباح اليوم الأحد، بأنّ النظام الإيراني يجب أن يتغيّر، معتبراً أن طهران لا تكتفي بإدارة شؤونها الداخلية، بل تسعى إلى توسيع نفوذها وفرضه على دول المنطقة.
هذا التطور الإقليمي فتح، بحسب مصادر سياسية، مسارات موازية يعمل لبنان على استثمارها عبر اتصالات مع دول عربية وخليجية، بهدف الوصول إلى صيغة حل يكون الجيش اللبناني في صلبها، على أن يحصل في المقابل على ضمانات تتيح له تنفيذ المهمات المطلوبة منه، وتكرّس دوره كجهة أساسية في تثبيت الأمن على الأرض.
وفي موازاة ذلك، تتجه الأنظار إلى مفاوضات روما، حيث تشير المعلومات إلى أن المستشار القانوني لرئيس الجمهورية أنطوان صفير سيشارك ضمن الوفد اللبناني، لمتابعة الجوانب القانونية للملفات المطروحة، بما فيها ملف الترسيم والحدود، في محاولة لإبقاء المسار القانوني حاضراً إلى جانب المسارين السياسي والأمني.
أما الملف الاقتصادي، فسيكون له مسار موازٍ، إذ من المتوقع أن يتولى وفد استشاري اقتصادي إجراء محادثات جانبية مع الجانب الأميركي تتناول إعادة الإعمار وأوضاع الجنوب. ووفق المعلومات، فإن وزارة الاقتصاد لن تكون ممثلة في الوفد اللبناني إلى روما، باعتبار أن المهمة الاقتصادية ستتم عبر وفد استشاري منفصل.
لكن الأهم في مفاوضات روما قد يكون ما سيُطرح على الطاولة بشأن انتشار الجيش اللبناني. فبحسب مصادر متابعة، يدرس الوفد اللبناني طرح مدينة الخيام كمنطقة تجريبية ثانية، أو مدينة بنت جبيل، وتؤكد المصادر أن الجيش اللبناني جاهز وقادر على الانتشار في أي منطقة تُسند إليه مسؤولية التعامل معها، ما يعني أن الكرة، في هذا الجانب، قد تكون في ملعب الأطراف الأخرى.
إلا أن الطريق أمام هذا الطرح لا يبدو ممهداً. فمصادر متابعة تتحدث عن شكوك جدية في إمكانية موافقة إسرائيل على اختيار الخيام أو بنت جبيل كمنطقة تجريبية جديدة، خصوصاً في ظل استمرار الضغط العسكري في الجنوب. وهو ما يضع المفاوض اللبناني أمام معادلة معقّدة: كيف يمكن تثبيت دور الجيش وتوسيع انتشاره، في وقت لا تزال إسرائيل تربط أي ترتيبات ميدانية بحساباتها الأمنية وشروطها الخاصة؟
المفارقة أن لبنان يدخل هذه المفاوضات وهو يحاول أن يثبت أن لديه حلاً قابلاً للتطبيق، فيما يبقى القرار الفعلي مرتبطاً إلى حد كبير بمواقف واشنطن وتل أبيب، وبقدرة الوسطاء العرب والخليجيين على تأمين الضمانات التي يطلبها لبنان.
ومن هنا، فإن أهمية مفاوضات روما لا تكمن فقط في ما سيُقال داخل قاعات التفاوض، بل في ما إذا كان بالإمكان تحويل الكلام إلى ترتيبات ميدانية قابلة للحياة. فطرح الخيام أو بنت جبيل قد يكون بداية لمسار جديد، لكنه في الوقت نفسه اختبار صعب لمدى استعداد إسرائيل للقبول بدور أوسع للجيش اللبناني.
إذًا، تبقى العقدة الأساسية في الجنوب مرتبطة بمسألة السلاح، إذ إن إسرائيل لا تبدو مستعدة للانسحاب قبل ضمان تسليم سلاح «حزب الله» للدولة اللبنانية، في حين أن الحزب لا يبدو في وارد الإقدام على هذه الخطوة ما لم يأتِ قرار واضح من طهران، وهو أمر لا تبدو مؤشرات حصوله متوافرة في المدى القريب. ومن هذا المنطلق، يبدو أن الأمور سوف تبقى عالقة في مكانها، لتزداد تعقيداً وتبقى مفاوضات الجنوب تدور في حلقة مفرغة.
جوني ج خلف – رئاسة التحرير




