بين روما وهرمز.. لبنان يختبر اتفاق الإطار على وقع التصعيد الأميركي – الإيراني
كتب جوني خلف

لم يعد السؤال في بيروت ما إذا كانت المفاوضات ستبدأ، بل إلى أي مدى تستطيع أن تصمد أمام العواصف التي تضرب المنطقة. فبينما يتحرك لبنان نحو مسار تفاوضي جديد لاختبار نيات إسرائيل في تنفيذ اتفاق الإطار، يتدحرج المشهد الإقليمي بسرعة نحو مواجهة مفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران، في مستجدٍّ يهدد بإعادة خلط الأوراق كلها، من جنوب لبنان إلى مضيق هرمز.
وتقول مصادر سياسية أن الدولة اللبنانية قررت خوض هذا المسار انطلاقًا من قناعة بأن الوقت حان لاختبار مدى التزام إسرائيل بما تم التوصل إليه في واشنطن، مستفيدة من الإصرار الأميركي على المضي في تنفيذ الاتفاق وعدم تركه حبرًا على ورق.
وفي هذا السياق، تشير المعلومات إلى أن الوفد اللبناني الذي سيشارك في الاجتماعات التي تستضيفها السفارة الأميركية في روما سيضم السفيرة ندى حمادة، والسفير سيمون كرم، إلى جانب عميد متقاعد سبق أن شارك في فريق متابعة المفاوضات داخل غرفة العمليات في قصر بعبدا.
وفي الميدان، بدأت المؤشرات العملية تظهر تباعًا. فقد وصل أمس السبت وفد عسكري أميركي إلى لبنان، وعقد سلسلة اجتماعات مع قيادة الجيش اللبناني لبحث آليات تنفيذ انسحاب الجيش الإسرائيلي من منطقة تجريبية أولى في الجنوب، على أن يشكل نجاح هذه الخطوة معيارًا للانتقال إلى مراحل لاحقة إذا توافرت الظروف السياسية والأمنية.
غير أن هذا التوجه لا يحظى بإجماع داخلي. فمصدر في الثنائي الشيعي أكد لصحيفة “الديار” أن الحديث عن “انسحاب تجريبي” يمثل تطورًا بالغ الخطورة، مشددًا على رفض حزب الله لأي تنسيق أو مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة ترتبط باتفاق الإطار.
وأضاف المصدر أن الحزب يعتبر الاتفاق “غير دستوري” و”اتفاق عار”، ولذلك فهو لا يرى نفسه معنيًا بأي خطوة تنبثق عنه، ويتمسك بمطلب واحد يتمثل في انسحاب إسرائيلي كامل وغير مشروط من الأراضي اللبنانية المحتلة، من دون أي ترتيبات أو مراحل انتقالية.
لكن ما يجري في لبنان لا يمكن عزله عن المشهد الإقليمي المتسارع. ففي الوقت الذي تُناقش فيه ترتيبات الجنوب، كانت المنطقة تشهد تصعيدًا غير مسبوق بين واشنطن وطهران.
فقد أعلن الجيش الأميركي إطلاق جولة جديدة من الضربات العسكرية ضد إيران، مؤكدًا أنها جاءت بتوجيه مباشر من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وذلك عقب هجوم إيراني استهدف سفينة حاويات أثناء عبورها مضيق هرمز.
ووفق القيادة المركزية الأميركية، شملت العمليات أكثر من 300 هدف داخل إيران، بينها مواقع للصواريخ والطائرات المسيّرة ومنشآت بحرية.
في المقابل، أعلن الحرس الثوري الإيراني إغلاق مضيق هرمز حتى إشعار آخر، معتبرًا أن القرار جاء ردًا على ما وصفه بالتدخل الأميركي في المنطقة، ومؤكدًا أن أي حركة بحرية ستخضع لإجراءات مشددة في المرحلة المقبلة.
أما إسرائيل، فبدت وكأنها تستعد لمرحلة جديدة أيضًا، إذ نقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مسؤولين أن الجيش الإسرائيلي يواصل تحديث بنك أهداف داخل إيران، تحسبًا لأي تطور قد يوسع دائرة المواجهة، مع تأكيد أن أي رد سيكون واسع النطاق وبالتنسيق الكامل مع الولايات المتحدة.
وفي موازاة ذلك، أعلن رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أن زمن الاتفاقات غير المتكافئة قد انتهى، فيما رفعت السفارة الأميركية في البحرين مستوى التحذير الأمني، داعية رعاياها إلى تجنب أماكن التجمعات ومناطق الانتشار الأمني.
وكان وزير الدفاع الأميركي قد رفع من حدة لهجته تجاه طهران صباح اليوم، مؤكدًا أن”إيران اتخذت خيارًا خاطئًا، والآن ستدفع الثمن.
إذًا، حتى الآن لا شيء يوحي بأن الطريق باتت سالكة. وعليه، يدخل لبنان مرحلة اختبار جديدة، عنوانها هذه المرة ليس فقط تنفيذ ما تم التفاهم عليه، بل قدرة الأطراف المعنية على إبقاء المسار السياسي بمنأى عن الحرائق المشتعلة في الإقليم. وحتى تتضح الصورة، سيبقى كل ما يُطرح قابلًا للتقدم أو التراجع تبعًا لتطورات تتجاوز الحدود اللبنانية.
جوني ج خلف – رئاسة التحرير




