الفيدرالية والنظام الطائفي واللامركزية في لبنان: بين الواقع والإصلاح

بقلم “علا غريزي “
خاص libanpress24
يعيش لبنان منذ عقود نقاشاً عميقاً حول شكل نظامه السياسي، بين من يتمسك بالنظام القائم كما أقرّه الدستور واتفاق الطائف، وبين من يطرح أفكاراً بديلة مثل الفيدرالية، وبين من يرى أن اللامركزية الإدارية هي الحل العملي الممكن لتطوير الدولة دون المساس بوحدتها.
هذا النقاش لا يجب أن يُفهم كصراع مشاريع، بل كبحث مستمر عن دولة أكثر عدالة، أكثر كفاءة، وأقل فساداً.
أولاً: النظام الطائفي بين الواقع والتحديات
يقوم النظام السياسي اللبناني على مبدأ المشاركة والتوازن بين الطوائف، وهو نظام نشأ لضمان الشراكة الوطنية ومنع الإقصاء.
لكن في الواقع العملي، تحوّل هذا التوازن في كثير من الأحيان إلى:
• محاصصة سياسية في توزيع المواقع
• ضعف في الأداء الإداري
• تغليب الانتماء الطائفي على الكفاءة
• وخلق بيئة خصبة لتداخل المصالح السياسية والمالية
وهنا لا يمكن إغفال شعور شريحة واسعة من اللبنانيين بأن جزءاً من الطبقة السياسية لم يعمل دائماً لمصلحة الدولة والشعب، بل ساهم في إنهاك الاقتصاد وإفقار المواطن عبر سوء الإدارة وتراكم الأزمات.
ثانياً: اتفاق الطائف والدستور كإطار للحل الوسط
جاء اتفاق الطائف كحلّ لإنهاء الحرب وإعادة تنظيم الدولة على أسس جديدة، حيث أكد على:
• وحدة لبنان أرضاً وشعباً ومؤسسات
• اعتماد النظام الجمهوري الديمقراطي البرلماني
• إعادة توزيع الصلاحيات بين السلطات الدستورية
• تعزيز دور مجلس الوزراء ومجلس النواب
• اعتماد اللامركزية الإدارية الموسعة
• والاتجاه نحو إلغاء الطائفية السياسية بشكل تدريجي
كما كرّس الدستور اللبناني هذه المبادئ، مؤكداً على دولة واحدة موحدة ذات سيادة كاملة.
لكن من المهم الإشارة إلى أن اللامركزية الإدارية التي نص عليها الطائف والدستور لم تُطبّق بالشكل الكامل حتى اليوم، وبقيت في إطار محدود، رغم أنها كانت تُعتبر أحد أهم أدوات الإصلاح الإداري والإنمائي.
ثالثاً: اللامركزية الإدارية بين النص والتطبيق
تُعد اللامركزية الإدارية أحد أهم الحلول الوسط المطروحة في لبنان، لأنها:
• تقرّب القرار من المواطن
• تحسّن الخدمات العامة
• تخفف الضغط عن المركز
• تعزز المحاسبة على المستوى المحلي
لكن المشكلة الأساسية تكمن في ضعف التنفيذ، إذ بقيت اللامركزية غير مطبّقة بشكل فعّال، ما أبقى الإدارة مركزية بشكل كبير، وأضعف قدرة المناطق على إدارة شؤونها بشكل مباشر.
رابعاً: الفيدرالية كفكرة إصلاحية في النقاش اللبناني
تُطرح الفيدرالية في النقاش العام كأحد النماذج الممكنة لإدارة الدولة، حيث تقوم على توزيع السلطة بين حكومة مركزية وأقاليم تتمتع بصلاحيات واسعة.
ومن الناحية النظرية، يرى مؤيدو هذا الطرح أنها قد تساهم في:
• الحد من الفساد الناتج عن المركزية المفرطة
• تقليل المحاصصة عبر توزيع الصلاحيات
• تعزيز الشفافية والمحاسبة المحلية
• وتخفيف الاحتقان الناتج عن تركز القرار
لكن في المقابل، يبقى نجاح أي نموذج مرتبطاً بمدى توافقه مع خصوصية كل دولة، وقدرتها على الحفاظ على وحدتها واستقرارها.
خامساً: السيادة اللبنانية بعد الانسحاب الإسرائيلي
شهد لبنان مراحل صعبة في تاريخه الحديث، من ضمنها الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من أراضيه، وصولاً إلى مرحلة الانسحاب واستعادة معظم الأراضي.
وقد شكّل هذا التحول محطة أساسية أعادت التأكيد على:
• أهمية سيادة الدولة الكاملة على أراضيها
• ضرورة حصرية القرار الأمني والعسكري بيد المؤسسات الرسمية
• ومسؤولية الدولة في حماية حدودها وشعبها دون تداخل سلطات متعددة
ومن هذا المنطلق، يبقى الهدف الأساسي اليوم هو تعزيز قدرة الدولة على تحمّل كامل مسؤولياتها تجاه الأرض والمواطن، في مرحلة ما بعد الانسحاب الكامل واستكمال ترسيخ السيادة.
سادساً: بين الفيدرالية والطائف والواقع اللبناني
في الخلاصة، يمكن القول إن:
• الطائف والدستور اختارا نموذج الدولة الواحدة
• مع إصلاح تدريجي عبر اللامركزية الإدارية
• دون الانتقال إلى النظام الفيدرالي
وفي المقابل، تبقى الفيدرالية فكرة مطروحة في النقاش السياسي، تُناقش من زاوية تنظيم الدولة وتحسين الإدارة، دون أن تكون جزءاً من النظام الدستوري القائم.
فالتحدي الأساسي في لبنان متعلّقاً بشكل النظام وجوهر الممارسة السياسية نفسها، والدولة القوية تُبنى عبر النصوص الدستورية المنصفة بالإضافة الى إرادة حقيقية لوضع المصلحة العامة فوق أي اعتبار، والمطلوب اليوم هو دولة فعّالة، عادلة، شفّافة، قادرة على محاسبة نفسها قبل أن تحاسب الآخرين، وتعيد الثقة بين المواطن ومؤسساته.
وبين مختلف الطروحات، يبقى الهدف الجامع هو لبنان مستقر، موحد، وسيد على كامل أرضه، دولة تخدم شعبها لا أن يُثقل شعبها بأعبائها.
علا غريزي




