
خاص.. بقلم “علا غريزي” libanpress24
هناك حلقات سياسية تمرّ عادياً، وأخرى تبقى في الذاكرة بسبب طريقة الحوار أكثر من المواقف نفسها. هذه الحلقة كانت من النوع الثاني. هذا ما شعرت به وأنا أتابع مقابلة الدكتور علي فياض مع الإعلامية سمر بو خليل، وهو شعور شاركني فيه حتى بعض من يختلفون معه سياسياً. لم أخرج منها متفقة مع كل ما قيل، لكنني خرجت باحترام أكبر لطريقة الحوار. هدوء في الإجابة، رزانة في الطرح، وثقة بالنفس من دون انفعال أو استعراض. وهذه ليست صفات طارئة في شخصية الدكتور علي فياض، بل جزء من حضوره السياسي المعروف منذ سنوات، حتى وإن فرضت ظروف الحرب في بعض المحطات خطاباً أكثر حدة. في هذه الحلقة عاد ذلك الأسلوب الهادئ ليؤكد أن الأفكار تصل إلى الناس بقوة المنطق أكثر مما تصل بارتفاع الصوت.
أكثر ما استوقفني كان حديثه عن كلفة الحرب. الاعتراف بحجم الخسائر التي أصابت لبنان خطوة مهمة، لأن أي نقاش مسؤول يجب أن يبدأ من الحقيقة. لكن الحقيقة تفرض أيضاً سؤالاً أكبر: كيف نمنع أن يعيش اللبنانيون هذا المشهد مرة بعد أخرى؟ كيف نحمي الوطن من أن يبقى ساحة يدفع أهلها أثماناً باهظة في كل مواجهة؟
وفي حديثه عن المقاومة، بقي الدكتور فياض متمسكاً بقناعته، وهذا حقه السياسي. لكن كثيرين في لبنان لا يختلفون على مبدأ مقاومة الاحتلال الإسرائيلي والدفاع عن الأرض، بل على كيفية إدارة هذا الدور. ما نريده هو حماية لبنان عندما يكون لبنان هو المستهدف، على أن تكون مسؤولية الدفاع عن لبنان محصورة بالدولة ومؤسساتها الشرعية وعلى رأسها الجيش اللبناني، لأن قوة الدولة تعزز روح المقاومة عند الفرد، لا بمعنى الانتماء إلى جهة، بل كإرادة وطنية عامة، وتتقاطع مع قوة الدولة، لا عندما تبدو وكأنها تسير في مسار موازٍ لها.
أما تجربة الإسناد، فمن حق اللبنانيين أن يناقشوها بهدوء وصدق. فالنتيجة التي عاشها الناس كانت قاسية، والخسائر طالت الجميع. لذلك يبدو من الطبيعي أن يُطرح السؤال: هل يمكن أن نحافظ على قوة الردع في مواجهة العدو الإسرائيلي، وفي الوقت نفسه نُبعد لبنان عن حروب لا يكون فيها أمنه المباشر هو القضية الأولى؟ هذا السؤال أصبح ضرورة وطنية.
أستاذي، هذا الخطاب الهادئ والمتّزن يفتح باباً للأمل. واليوم، ربما أكثر من أي وقت مضى، يحتاج اللبنانيون إلى شخصيات قادرة على القول إن حماية لبنان والدفاع عنه مسؤولية الدولة ومؤسساتها الشرعية وعلى رأسها الجيش اللبناني، بعيدا عن المصالح الشخصية والخارجية، وأي جهد دفاعي إن وُجد، ينبغي أن يكون يداً بيد مع الجيش في خدمة الوطن، وعند مواجهة الاحتلال، نكون جميعا خلف الدولة والجيش. إن قوة لبنان الحقيقية تكمن في أن تكون كل عناصر قوته تحت راية وطن واحد، لا تحت رايات متعددة.
لبنان اليوم لا يحتاج إلى التخلي عن عناصر قوته، كما لا يحتمل البقاء في دوامة الحروب. ما يحتاجه فعلاً هو رؤية تجمع بين حق الدفاع عن الأرض وحق الناس في الحياة. نريد وطناً تحميه دولته، وتحتضن كل قوة فيه ضمن قرار سيادي واحد، لأن اللبنانيين تعبوا من انتظار الحرب المقبلة، وحان الوقت أن ينتظروا مستقبلاً أكثر استقراراً وأماناً. وهذا ليس تنازلاً عن الثوابت، بل هو أرقى أشكال الانتصار للوطن.




