
لم يطوِ إعلان اتفاق الإطار صفحة الأزمة، بل فتح صفحة جديدة عنوانها التنفيذ، وما سيرافقه من تحديات سياسية وأمنية تُدخِل البلد في مرحلة دقيقة ستكون نتائجها مرتبطة بما سيجري على الأرض أكثر مما كُتب على الورق.
الاتفاق الذي جاء بصيغة تُشبه إلى حدّ كبير مذكرة التفاهم الإيرانية–الأميركية، إذ اقتصر على تثبيت المبادئ العامة، فيما أُرجئت الملفات الأكثر تعقيدًا إلى مرحلة التنفيذ، حيث ستُحسم تباعًا عبر لجان التنسيق والآليات، إذ تشير المعلومات إلى أن القوة الدولية التي ستواكب تطبيق الاتفاق ستضم، في طليعتها، الجيش الأميركي، إلى جانب قوات من بريطانيا وفرنسا، على أن يُبحث لاحقاً حجم المشاركة العربية بعد استكمال الانسحاب الإسرائيلي من المناطق المشمولة.
وتضيف مصادر رسمية أن الأيام الأولى من الأسبوع المقبل ستشهد تشكيل فريق تنسيق ثلاثي يضم الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل، تكون مهمته رسم الحدود الدقيقة للمنطقتين اللتين يشملهما الاتفاق، بالتنسيق مع قيادة الجيش اللبناني. كما ستتولى لجنة التنسيق تحديد نطاق هاتين المنطقتين داخل الخط الأصفر وخارجه، مع وضع جدول زمني واضح للانسحاب، على أن يتولى “الميكانيزم” القائم الإشراف على تنفيذ الخطوات الميدانية.
بالتوازي، يترقب لبنان إعلاناً أميركياً يتضمن رزمة واسعة من الضمانات السياسية والأمنية والاقتصادية، تشمل تعزيز قدرات الجيش اللبناني، والمساهمة في إعادة إعمار المناطق المتضررة، إضافة إلى توفير الظروف الملائمة لعودة النازحين إلى قراهم. وكانت رئاسة الجمهورية اللبنانية قد أعلنت ليلًا، أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب أكد وقوف الولايات المتحدة إلى جانب لبنان وشعبه، والعمل على توفير كل ما من شأنه دعم تنفيذ بنود الاتفاق، بما يساهم في إعادة الأمن والاستقرار إلى البلاد
لكن هذا المسار لا يحظى بإجماع داخلي. ففي وقت تبدو الدولة اللبنانية أكثر تمسكاً بخيار تثبيت سلطتها وإنهاء مرحلة الحروب المفتوحة، جاء موقف “حزب الله” حاسماً برفض الاتفاق. فقد اعتبر الأمين العام للحزب، الشيخ نعيم قاسم، أن ما يُطرح يشكل “استسلاماً يمس السيادة”، رافضاً أي صيغة تُفرض على لبنان تحت الضغط.
ولم يبقِ هذا الرفض في الإطار السياسي، بل انعكس سريعاً على الأرض من خلال تحركات احتجاجية شهدت قطع طرقات وإشعال إطارات في عدد من المناطق، ما أعاد المخاوف من انتقال الانقسام السياسي إلى الشارع.
وفي خضم هذا التوتر، وجّه رئيس مجلس النواب نبيه بري رسالة تحذيرية دعا فيها اللبنانيين إلى عدم الانجرار نحو الفتنة، فيما صدر عن حركة “أمل” موقف رسمي أكد عدم القبول بالاتفاق بصيغته الحالية.
في المقابل، تنظر إسرائيل إلى المرحلة المقبلة بكثير من الحذر. فقد نقل مسؤول إسرائيلي أن التقديرات الأمنية ترجح إقدام “حزب الله” على تنفيذ عمليات عسكرية بهدف تعطيل الاتفاق، مؤكداً أن أي تحرك من هذا النوع سيُقابل برد عسكري.
بدوره، شدد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على أن تل أبيب ستستخدم القوة في مواجهة أي محاولة لخرق التفاهمات.
أما المشهد الإقليمي، فلا يبدو أقل توتراً. فقد أعلنت الولايات المتحدة تنفيذ ضربات جوية استهدفت مواقع عسكرية إيرانية، معتبرة أنها جاءت رداً على هجمات استهدفت الملاحة في مضيق هرمز. وفي المقابل، أعلن الحرس الثوري الإيراني تنفيذ ضربات ضد مواقع أميركية في الكويت والبحرين، مؤكداً أن أي تصعيد أميركي جديد سيُواجه برد أشد، ما يضع المنطقة أمام احتمال توسع رقعة المواجهة في أي لحظة.
عمليًا، فتح الاتفاق صفحة جديدة في المشهد اللبناني، لكنه لم ينهِ الانقسام حوله. فالاعتراضات الداخلية لا تزال حاضرة بقوة، فيما يبقى مسار التنفيذ مرتبطًا أيضاً بإيقاع التطورات الإقليمية. فهناك من يراه اتفاقًا أميركيًا–إيرانيًا يُنفَّذ على الساحة اللبنانية، ومن يعتبره تفاهمًا لبنانيًا–إسرائيليًا برعاية أميركية، لكن المرحلة المقبلة ستكشف حقيقة هذا الاتفاق وحدود قدرته على الصمود أمام أول اختبار ميداني.
جوني ج خلف – رئاسة التحرير




