
قد يكون إعلان إسرائيل وقف معظم عملياتها العسكرية في جنوب لبنان هو الخبر الأبرز، لكن الخبر الحقيقي ربما يكمن في ما لم تعلنه تل أبيب: لماذا قبِلَ العدو الاسرائيلي بوقف النار الآن، وهو الذي يرفض الانسحاب؟ ولماذا يتم تثبيت القوات الإسرائيلية مواقعها بالتزامن مع مفاوضات أميركية – إيرانية حساسة في سويسرا؟ هنا تحديداً، لا تبدو جبهة الجنوب ساحة مواجهة مستقلة، بل ورقة ضغط على طاولة إعادة رسم موازين القوى في المنطقة.
فالقرار الإسرائيلي بوقف العمليات العسكرية الواسعة، مع الاحتفاظ بالمواقع التي سيطرت عليها القوات الإسرائيلية، لا يعكس تحولاً استراتيجياً نحو التهدئة بقدر ما يشير إلى انتقال من مرحلة “الحرب المفتوحة” إلى مرحلة “تثبيت الوقائع الميدانية”. فإسرائيل تريد وقفاً للنار لا يفرض عليها الانسحاب، وتريد مفاوضات تُدار من موقع القوة لا من موقع التسوية.
ولهذا السبب، جاء تأكيد رئيس وزراء العدو، بنيامين نتنياهو بأن الجيش الإسرائيلي سيبقى في جنوب لبنان “طالما اقتضت الضرورة الدفاعية”، مترافقاً مع تصريحات عسكرية تؤكد استمرار السيطرة على ما يسمى “الشريط الأمني” وحرية العمل العسكري داخله، مع تهديد واضح بالرد بقوة على أي تحرك من حزب الله.
لكن ما وراء هذه التصريحات، توجد معركة أخرى أكثر أهمية من الناحية العسكرية، تتمثل في تلة علي الطاهر، الواقعة جنوب شرق النبطية، والتي تحولت خلال الأيام الماضية إلى هدف استراتيجي بالغ الأهمية بالنسبة إلى إسرائيل. فهذه التلة المرتفعة تشرف على مساحات واسعة من منطقة النبطية، وعلى طرق رئيسية، كما تمنح من يسيطر عليها أفضلية استخباراتية ونارية كبيرة، وهو ما يفسر الإصرار الإسرائيلي المتكرر على الوصول إليها.
وتشير تقارير متعددة إلى أن الجيش الإسرائيلي حاول مراراً التقدم نحو التلة منذ منتصف حزيران، مستفيداً من سيطرته السابقة على قلعة الشقيف والمواقع المحيطة بها، فيما تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية مؤخراً عن “سيطرة عملياتية” على تلة علي الطاهر.
وبحسب صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية، فإن الجيش الإسرائيلي بات يسيطر عملياً على أحد أبرز مراكز الثقل التابعة لحزب الله في جنوب لبنان، والمتمثل بتلة علي الطاهر الواقعة بين بلدتي كفرتبنيت والنبطية الفوقا.
وبحسب الصحيفة نفسها، فإن عشرات من عناصر حزب الله لا يزالون محاصرين داخل المجمع العسكري الواقع في تلة علي الطاهر، وسط سيطرة إسرائيلية على محيط الموقع وتشديد الإجراءات العسكرية لمنع أي محاولة انسحاب أو إعادة تموضع داخل المنطقة
ومن هنا، يصبح مفهوماً لماذا ترفض إسرائيل الانسحاب الآن. فهي لا تسعى فقط إلى وقف إطلاق النار، بل إلى تكريس واقع جغرافي جديد يمنحها نقاط ارتكاز عسكرية في عمق الجنوب، يمكن استخدامها مستقبلاً كورقة ضغط سياسية وأمنية. وتشير تقديرات عسكرية إلى أن السيطرة على علي الطاهر تتيح مراقبة مساحات واسعة من النبطية، وتعزز القدرة على فصل بعض مناطق الجنوب عن امتدادها الجغرافي نحو البقاع، وهو هدف لطالما شكل هاجساً استراتيجياً لإسرائيل.
في المقابل، تتحرك الدولة اللبنانية عبر قنوات دبلوماسية متعددة للوصول إلى تفاهم يتضمن وقفاً دائماً لإطلاق النار وجدولة الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة. إلا أن مصادر سياسية ترى أن إسرائيل لا تبدو مستعدة بعد لتقديم مثل هذا الالتزام، لأنها تعتبر أن الوقت الحالي هو الأنسب لتحصيل أكبر قدر ممكن من المكاسب الميدانية قبل تثبيت أي اتفاق نهائي.
وتستعد واشنطن لاستضافة جولة جديدة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية، وسط بحث مقترحات أمنية جديدة لجنوب لبنان، تتضمن ترتيبات مرحلية في عدد من المناطق الحدودية بإشراف الجيش اللبناني.
وفيما يواصل الوسطاء مساعيهم لدفع المفاوضات قدماً، لا تزال عقدة حصرية السلاح تراوح مكانها في ظل رفض حزب الله أي طرح يمسّ بترسانته أو انتشاره. ويُبقي هذا الخلاف الباب مفتوحاً أمام تعثر المسار التفاوضي، ما قد يمنح إسرائيل ذريعة لإعادة التصعيد، فيما تستمر هواجس الأهالي بشأن مستقبل قراهم وآلية العودة إليها.
وفي خضم هذه التطورات، تتجه الأنظار اليوم إلى سويسرا، حيث تجري جولة جديدة من المفاوضات الأميركية – الإيرانية. وهنا، يبدو واضحاً أن مستقبل الجنوب اللبناني بات مرتبطاً بنتائج تلك المباحثات أكثر من ارتباطه بالتطورات الميدانية وحدها. فكل تقدم في التفاهم بين واشنطن وطهران ينعكس تهدئة في لبنان، وكل تعثر يعيد فتح الباب أمام التصعيد.
فما يجري اليوم في جنوب لبنان ليس مجرد وقف إطلاق نار، بل صراع على شكل المرحلة المقبلة. إسرائيل تحاول رسم حدود أمنية جديدة بالقوة، وتثبيت مواقع استراتيجية قبل أي تسوية. أما المفاوضات الجارية، فهي لا تبحث فقط في وقف الحرب، بل في تحديد من يملك حق رسم قواعد الاشتباك في المنطقة بأكملها. لذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل تتوقف الحرب؟ بل: أي جنوب سيخرج من هذه المفاوضات، وأي توازنات ستُفرض على لبنان في اليوم التالي؟
جوني ج خلف – رئاسة التحرير




