سياسةمقالات وتقارير

الاتفاق المعلّق والحرب المفتوحة.. ماذا يُحاك للمنطقة ولبنان؟

كتب جوني خلف

 

 

بين ضبابية إيرانية تثير الأسئلة، وتصعيدٍ إسرائيلي يفرض وقائع جديدة على الأرض، يبدو أن المنطقة دخلت مرحلة دقيقة تتجاوز حدود المفاوضات التقليدية. فالموعد الذي كان يُفترض أن يشهد توقيع مذكرة التفاهم لم يأتِ بالإجابات المنتظرة، بل فتح الباب أمام المزيد من علامات الاستفهام حول ما يجري خلف الأبواب المغلقة في طهران، وحول ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو تسوية سياسية أم نحو جولة جديدة من المواجهة.

 

في طهران، حلّ يوم الأحد من دون أن يصدر أي موقف حاسم بشأن مذكرة التفاهم التي أعلن الوسيط الباكستاني سابقاً إضافة الى الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي يصادف عيد ميلاده اليوم، أن توقيعها سيتم إلكترونياً في هذا التاريخ. وحتى اللحظة، لا تزال المؤشرات متضاربة بين القبول والرفض، فيما تكشف النقاشات الداخلية عن انقسام واضح داخل مراكز القرار الإيرانية.

 

وتفيد المعطيات المتداولة بأن أطرافاً نافذة داخل النظام تنظر إلى المذكرة على أنها تتضمن تنازلات كبيرة لا تتناسب مع الأهداف التي رفعتها إيران خلال الأشهر الماضية، فيما وصلت بعض المواقف إلى حد التشكيك بخلفيات مؤيدي الاتفاق واتهامهم بالتفريط بالمكتسبات السياسية والاستراتيجية.

لكن ما يثير الانتباه في المشهد الإيراني، ليس حجم الاعتراضات على المذكرة بقدر ما يثيره موقعها داخل هرم القرار. فالاتفاقات من هذا النوع لا تصل عادة إلى مرحلة الإعلان عن موعد توقيعها قبل أن تكون قد عبرت القنوات الدستورية والأمنية والسياسية كافة، وحصلت على الضوء الأخضر من المرشد الأعلى، صاحب الكلمة الفصل في القضايا الاستراتيجية الكبرى.

من هنا، يصبح السؤال: أين المرشد الأعلى مما يجري؟ وهل هناك مراكز قوى داخل النظام تحاول إعادة رسم اتجاه القرار الإيراني؟ والأهم، هل نشهد صراعاً مكتوماً بين جناح يتمسك بالثوابت التقليدية للجمهورية الإسلامية، وآخر يقوده محمد باقر قاليباف وعباس عراقجي يسعى إلى فرض مقاربة مختلفة للعلاقة مع واشنطن، ربما بدعم أو تشجيع أميركي غير مباشر؟

أسئلة لا تبدو هامشية في هذه المرحلة، لأن ما يجري يتجاوز النقاش حول بنود مذكرة تفاهم، ليطال طبيعة القرار داخل النظام الإيراني نفسه، وهو ما قد تكون له انعكاسات مباشرة ليس فقط على مصير الاتفاق المرتقب، بل أيضاً على مستقبل المواجهة الدائرة في المنطقة بأسرها.

وفي موازاة المشهد الإيراني، تتواصل التطورات الميدانية على الجبهة اللبنانية بوتيرة مقلقة. فقد شهد الجنوب سلسلة غارات إسرائيلية عنيفة استهدفت عدداً من البلدات، في مؤشر إلى أن التصعيد العسكري ما زال يحتفظ بأولوية متقدمة على أي مسار سياسي محتمل.

 

وفي تطور لافت، كشفت هيئة البث الإسرائيلية عن توجه داخل المؤسسة العسكرية يقضي بالإبقاء على السيطرة على ما تصفه تل أبيب بـ”المنطقة الأمنية” في جنوب لبنان، حتى في حال التوصل إلى اتفاق أميركي – إيراني. وبحسب المعلومات المتداولة، فإن التقديرات الإسرائيلية تركز على وقف العمليات البرية الواسعة مع تثبيت الوقائع الميدانية التي فرضتها الحرب، بدلاً من العودة إلى ما كان قائماً قبلها.

 

وتكتسب هذه المعطيات أهمية خاصة لأنها تعكس فجوة متزايدة بين الرؤية الإسرائيلية ومساعي الوسطاء الدوليين الساعين إلى تثبيت تهدئة طويلة الأمد على الحدود اللبنانية الجنوبية. كما أنها تثير تساؤلات حول مدى قدرة أي تفاهم إقليمي على إنتاج استقرار فعلي إذا كانت إسرائيل تتمسك عملياً بنتائج الحرب وتسعى إلى تحويلها إلى أمر واقع دائم.

 

دبلوماسياً، تتحدث مصادر متابعة عن أن ملف وقف إطلاق النار في لبنان ينتظر جولة جديدة من البحث في واشنطن، حيث تتقاطع مطالب أميركية وإسرائيلية تختلف في جوانب أساسية عن رؤية “لبنان” وشروطه. وهو ما يجعل الطريق إلى تسوية شاملة أكثر تعقيداً مما يبدو في العلن.

 

وفي هذا السياق، جاءت مواقف رئيس الحكومة نواف سلام لتعكس تمسك الدولة اللبنانية بإدارة المسار التفاوضي. ففي مقابلة مع وكالة رويترز، دعا سلام “حزب الله” إلى مواكبة الجهود التي تقودها الدولة اللبنانية برعاية أميركية، مؤكداً استمرار قنوات التواصل مع الحزب، كما شدد على أن الدولة وحدها تمتلك حق التفاوض باسم لبنان.

 

إذًا، ما يستدعي التوقف عنده في هذه المرحلة، ليس فقط مصير الاتفاق المرتقب، بل التناقض الواضح بين المسار السياسي والمسار الميداني. ففي الوقت الذي يُفترض أن تفتح فيه المفاوضات الباب أمام التهدئة، تكشف الوقائع في جنوب لبنان عن محاولات لتثبيت معادلات جديدة، ربّما قد تصبح لاحقاً جزءاً من أي تسوية نهائية. وعليه، فإن لبنان لا يواجه فقط تحدي وقف إطلاق النار، بل تحدي منع تحويل نتائج الحرب إلى أمر واقع دائم، وهو ما سيحدد شكل المرحلة المقبلة أكثر بكثير من أي توقيع أو إعلان سياسي.

 

جوني ج خلف – رئاسة التحرير.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى