اتفاق مرتقب بين واشنطن و طهران يعيد رسم المشهد الإقليمي… أين يقف لبنان من هذه التطورات؟
كتب جوني خلف:

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، لا تبدو التسريبات الأميركية عن اتفاق وشيك بين واشنطن وطهران مجرّد “خبر دبلوماسي عابر”، بل أقرب إلى إعلان مبكر عن ولادة مرحلة سياسية جديدة في الشرق الأوسط، تُرسم حدودها بالنار حيناً، وبالتفاوض تحت الضغط حيناً آخر.
فبحسب ما كشفته صحيفة “واشنطن تايمز”، فإنّ الولايات المتحدة وإيران باتتا على مسافة ساعات من وضع اللمسات الأخيرة على اتفاق سلام شامل، بعد التوافق على مسودته الأولية فجر السبت، بانتظار المصادقة النهائية من قيادتي البلدين. وإذا ما تمّ الإعلان الرسمي عنه، فإنّ المنطقة ستكون أمام تحوّل استراتيجي يتجاوز الملف النووي الإيراني، ليطال خرائط النفوذ، والممرات البحرية، والتوازنات الأمنية من الخليج حتى لبنان.
ورغم استمرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب في التلويح بالخيار العسكري، إلا أنّ الوقائع تشير إلى انتقال واضح من منطق المواجهة المفتوحة إلى إدارة الصراع عبر التسويات المرحلية. غير أنّ العقد الأساسية لا تزال حاضرة بقوة على طاولة المفاوضات، وفي مقدّمها: مستقبل البرنامج النووي الإيراني، آلية تخفيف العقوبات، وإعادة فتح مضيق هرمز الذي شُلّت حركة الملاحة فيه منذ اندلاع الحرب أواخر شباط الماضي.
بالتوازي مع مسار التفاهمات الإقليمية، توحي الصيغة المتداولة بأنّ المواجهة بين إسرائيل و”حزب الله” تتّجه نحو نموذج جديد يقوم على إدارة الصراع بدل إنهائه بالكامل، ضمن إطار سياسي – أمني طويل النفس.
وتشير المعطيات إلى أنّ الاتفاق الأميركي – الإيراني المرتقب قد يشكّل مظلّة غير مباشرة لترسيخ هذا الواقع، بحيث يحتفظ الرئيس الأميركي دونالد ترامب بورقة الضغط المرتبطة بالملف الإيراني، فيما يواصل بنيامين نتنياهو اعتماد سياسة الضربات المحدودة تحت عنوان مواجهة “تهديدات حزب الله”، على قاعدة تحقيق مكاسب تدريجية عبر التفاوض والضغوط، لا من خلال الانزلاق إلى حرب واسعة.
الى ذلك، أفادت معلومات نقلها موقع “أكسيوس” عن مسؤول إسرائيلي أنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أبدى للرئيس الأميركي دونالد ترامب تحفظات حيال البند المرتبط بإنهاء الحرب مع حزب الله، في ظل نقاشات متواصلة حول تفاصيل الاتفاق المطروح.
ووفق المعطيات، يتضمّن الاتفاق بنداً يتيح لإسرائيل تنفيذ عمليات داخل لبنان في حال رصد أي محاولة من حزب الله لإعادة بناء ترسانته العسكرية، بينما يسعى البيت الأبيض إلى معالجة النقاط الخلافية المتبقية تمهيداً للإعلان عن الاتفاق المرتقب اليوم الأحد.
وتشير الأجواء إلى أنّ المنطقة قد تكون أمام مرحلة جديدة من التهدئة الحذرة، بانتظار ما ستُفضي إليه الساعات المقبلة من تفاهمات سياسية وأمنية.
ومع بدء تسريب بنود الاتفاق المرتقب، أثار المتحدث باسم مقر “خاتم الأنبياء” الإيراني، إبراهيم ذو الفقاري، جدلاً واسعاً بعدما نشر صورة مُولّدة بالذكاء الاصطناعي للرئيس الأميركي دونالد ترامب وهو ينحني أمام مجتبى خامنئي، مرفقة بعبارة: “The End” – “النهاية”.

الخطوة اعتُبرت رسالة سياسية – إعلامية تحمل أبعاداً رمزية، في توقيت يتزامن مع تصاعد الحديث عن تفاهمات أميركية – إيرانية قد تعيد رسم موازين المرحلة المقبلة في المنطقة.
وكانت وكالة تسنيم قد اشارت منذ قليل الى أن إيران لم تقبل بعد أي إجراءات تتعلق بملفها النووي وأيّ تفاهم أولي مشروط بالإفراج عن جزء على الأقل من الأصول الإيرانية المجمدة
وفي موقف يعكس حجم القلق داخل الأوساط الإسرائيلية، نقلت القناة 12 العبرية عن مصدر إسرائيلي قوله إنّ الاتفاق المحتمل مع إيران يُعدّ “اتفاقاً سيئاً”، معتبراً أنّه يوجّه رسالة خطيرة مفادها أنّ استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية بات يوازي، من حيث التأثير والخطورة، الملف النووي الإيراني نفسه.
ويأتي هذا الموقف في ظل تصاعد النقاشات حول التفاهمات المرتقبة بين واشنطن وطهران، وما قد تحمله من تغييرات في موازين القوة والمعادلات الأمنية في المنطقة.
على الساحة اللبنانية، لا تزال العقوبات التي فرضتها وزارة الخزانة الأميركية على شخصيات مقرّبة من الثنائي الشيعي إضافة إلى مسؤولين أمنيين، تثير تفاعلات سياسية واسعة.
وفي هذا السياق، ينقل مقرّبون من رئيس مجلس النواب نبيه بري أنّه ينظر بقلق إلى خلفيات الخطوات الأميركية الأخيرة، ويرى أنّ هناك جهات لبنانية ناشطة داخل مراكز التأثير في واشنطن تسعى إلى تعميق الانقسام الداخلي، وإفشال أي مسار قد يعيد تكوين حالة وطنية جامعة أو يفتح الباب أمام تسويات داخلية متوازنة
في المقابل، تبدو الحركة القطرية – السعودية أكثر نشاطاً في الكواليس، وسط رهانات على إمكان فتح الباب أمام تسوية سياسية أوسع، قد تصل إلى حدود المصالحة العربية – الإيرانية إذا ما نضج الاتفاق بين واشنطن وطهران.
أما الرسائل الآتية من واشنطن، فتبدو هذه المرّة أكثر حزماً ووضوحاً تجاه لبنان، في ظل حديث متزايد عن نافذة زمنية محدودة مُنحت لبيروت للاستفادة من الاهتمام الأميركي قبل أن تتحوّل أولويات إدارة دونالد ترامب نحو الانتخابات النصفية المرتقبة في أيلول.
وفي الداخل، تتشابك الضغوط الخارجية مع الانقسامات السياسية القائمة، لا سيّما مع استمرار القطيعة بين بعبدا وحارة حريك، تحت وطأة ملفّات حساسة يتقدّمها الاجتماع الأمني المرتقب في 29 أيار، إلى جانب احتمال فرض عقوبات أميركية جديدة على شخصيات مرتبطة بـ”حزب الله” وحركة أمل، بما قد ينعكس توتراً إضافياً على المشهدين السياسي والأمني في البلاد.
فالمنطقة تبدو أنها تتجه في هذه المرحلة إلى مفصل إعادة صياغة للتوازنات، حيث لم يعد النقاش محصوراً بإمكانات وقف الحروب بقدر ما بات يتمحور حول طبيعة الشروط التي ستُدار وفقها المرحلة المقبلة، والجهات التي ستتمكّن من تثبيت حضورها في رسم معالم النظام الإقليمي الجديد.
وفي هذا السياق، يبدو لبنان مجدداً في قلب تقاطع التسويات الدولية، بين موقع يُستثمر كورقة ضغط في بعض اللحظات، وساحة انتظار لترتيبات الخارج في لحظات أخرى، فيما تتقلّص هوامش المناورة أمام طبقته السياسية مع تسارع إيقاع التحولات، وازدياد الضغط الزمني قبل أن تُحسم خرائط النفوذ الإقليمي بمعزل عن قدرته على التأثير فيها.
جوني ج خلف – رئاسة التحرير




