سياسةمقالات وتقارير

لبنان بين خرائط التسوية و خطوط النار… هل بدأت لحظة إعادة رسم المنطقة؟

كتبَ جوني خلف:

 

 

بين نارِ الميدان وطاولات التفاوض، يقف لبنان مجددًا في قلبِ العاصفة الإقليمية، على وقعِ تحركاتٍ سياسية وأمنية تمتد من دمشق إلى واشنطن وتل أبيب، وسط سباقٍ مفتوح بين التسوية والانفجار.

في هذا السياق، سادت أجواء وُصفت بالودية والإيجابية اللقاء الذي جمع رئيس الحكومة نواف سلام بالرئيس السوري أحمد الشرع، في لقاءٍ استمر لساعتين وكرّس عمليًا بداية صفحة جديدة في العلاقات بين بيروت ودمشق بعد سنوات طويلة من التوتر والقطيعة السياسية.

الرئيس السوري أحمد الشرع ورئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام

وبحسب مصادر سياسية، لم يكن اللقاء بروتوكوليًا، بل دخل مباشرةً في الملفات الثقيلة والمعقّدة، من التدخل السوري في الشأن اللبناني خلال مرحلة نظام البعث الأسدي المخلوع، إلى التداعيات التي خلّفها انخراط “حزب الله” في الحرب السورية وما رافقه من نزيف سياسي وأمني داخل سوريا.

 

كما حضر ملف التفاوض مع إسرائيل ضمن المحادثات، حيث شدّد سلام أمام الشرع على أن لبنان يتمسك بخيار وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي الكامل، وصولًا إلى ترتيبات أمنية تحفظ الاستقرار، مع التأكيد على الالتزام اللبناني بمبادرة السلام العربية.

 

ومن مطار دمشق الدولي، أعلن سلام إحراز تقدّم كبير في معالجة القضايا المشتركة بين البلدين، لا سيما ما يتعلق بضبط الحدود، ومكافحة التهريب، واستكمال تنفيذ اتفاقية نقل السجناء.

 

في المقابل، حاول الرئيس الشرع توجيه رسائل سياسية تتجاوز الداخل السوري، مؤكدًا أن دمشق تسعى إلى بناء “ذاكرة جماعية جديدة” لدى اللبنانيين تجاه الدولة السورية، معتبرًا أن السوريين الموجودين في لبنان “ليسوا محتلين ولا لاجئين، بل جالية كباقي الجاليات”.

 

إقليميًا، يبقى المشهد أكثر تعقيدًا، مع ترقّب العالم لما ستؤول إليه المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية، وسط مخاوف من أن تلجأ طهران إلى كسب الوقت، ما قد يعيد إشعال خطوط التوتر في المنطقة.

 

وفي هذا الإطار، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن إيران “تريد فعلًا التوصل إلى اتفاق”، متوقعًا ردًا قريبًا على المقترح الأميركي الأخير، ضمن مسار تفاوضي تتولّى باكستان لعب دور الوسيط فيه بين الجانبين.

 

أما على خط التفاوض اللبناني ـ الإسرائيلي، فتتواصل الاتصالات المكثفة في واشنطن لتثبيت وقف إطلاق النار ومنع انزلاق الأمور نحو تصعيد أوسع، خصوصًا بعد الغارات الإسرائيلية الأخيرة.

 

وفي هذا السياق، يستعد السفير سيمون كرم لإجراء مشاورات رفيعة المستوى في واشنطن، محمّلًا بتوجيهات رئيس الجمهورية جوزاف عون المتعلقة بالانسحاب الإسرائيلي الكامل، وترسيم الحدود، واستعادة الأسرى، إضافة إلى ملف إعادة الإعمار.

 

وتشير المعطيات إلى أن كرم الذي كان قد انخرط سابقًا في مفاوضات “الميكانيزم”، أعدّ ملفات التفاوض بالتنسيق مع رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، إلا أن توقف الاجتماعات وانخراط حزب الله في الحرب عطّلا استكمال البحث في تلك الملفات.

 

في المقابل، يتواصل الضغط الأميركي على لبنان تحت عنوان حصر السلاح بيد الدولة وبسط سلطة الشرعية على كامل الأراضي اللبنانية، فيما تؤكد مصادر سياسية أن المحادثات الجارية لا تهدف إلى توقيع اتفاقية سلام مع إسرائيل، بل تتمحور حول تفاهمات وترتيبات أمنية تمنع انفجار الجبهة مجددًا.

 

إذًا، لا يبدو أن لبنان اليوم أمام مرحلة عابرة من التهدئة، بل أمام إعادة صياغة كاملة لموقعه داخل الخريطة الإقليمية الجديدة. فالمنطقة تدخل تدريجيًا زمن التسويات الكبرى، حيث تُفتح ملفات الحدود والسلاح والنفوذ والدور السياسي دفعةً واحدة، تحت ضغط التحولات الدولية والتفاهمات المنتظرة بين العواصم المؤثرة. لكن ما يجعل المشهد بالغ الحساسية، أن لبنان لا يملك ترف الوقت ولا هامش المناورة الواسع. فأي اهتزاز في المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية، أو أي تصعيد إسرائيلي غير محسوب، قد يطيح بكل مسارات التهدئة ويعيد خلط الأوراق الأمنية في الداخل اللبناني والمنطقة.

 

ومن هنا، تبدو المرحلة المقبلة أشبه باختبارٍ مصيري: إما انتقال لبنان إلى مرحلة تثبيت الاستقرار ضمن توازنات جديدة، وإما دخوله مجددًا في دائرة الاستنزاف المفتوح، في منطقة لا تزال حتى اللحظة تُدار فوق خطوط النار لا فوق خطوط الحلول.

 

جوني ج خلف – رئاسة التحرير

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى