سياسةمقالات وتقارير

بين الانفراج والانفجار.. لبنان على حافة القرار الأخير

كتب جوني خلف:

 

 

في خضمّ عاصفة إقليمية تتسارع إيقاعاتها، يجد لبنان نفسه على حافة مرحلة شديدة الدقة، مثقلاً بأعباء الداخل ومفتوحًا على ضغوط الخارج. الأنظار شاخصة نحو ما قد تفضي إليه الاتصالات السياسية مع العواصم المؤثرة، علّها ترسم مخرجًا يخفف من حدّة التصعيد المتدحرج. غير أنّ هذا الانتظار القلق سرعان ما شابه توتر داخلي طارئ، هدّد بإشعال ساحة إضافية في توقيتٍ أحوج ما يكون فيه اللبنانيون إلى الانفراج لا الانفجار.

في هذا السياق، تحوّل الجدل الذي أثارته صور مسيئة للبطريرك مار بشارة بطرس الراعي، نُسب نشرها إلى مناصرين لـحزب الله، إلى أزمة ذات أبعاد تتجاوز البعد الإعلامي، إذ فجّرت موجة استنكار عارمة وتضامنًا واسعًا مع بكركي، ما وضع الحزب في موقع دفاعي ودفعه إلى إصدار موقف يدعو فيه جمهوره إلى التحلّي بالوعي وعدم الانجرار وراء ما وصفه بمحاولات مدروسة لإثارة الفتنة بين اللبنانيين.

 

أما على المستوى الإعلامي- القضائي، فقد اتخذت المؤسسة اللبنانية للإرسال (LBCI) خطوة سريعة بحذف المحتوى الكاريكاتوري المرتبط بالأمين العام لـحزب الله نعيم قاسم، امتثالًا لإشارة صادرة عن القاضي أحمد رامي الحاج، الذي أوعز إلى الأجهزة المختصة فتح تحقيق معمّق. كما صدرت استنابات قضائية لتحديد هوية الضالعين في فبركة مواد مسيئة طالت كلًا من البطريرك ورئيس الجمهورية جوزاف عون، في خطوة تعكس جدية التعاطي القضائي مع الانفلات الرقمي وخطورته.

 

في موازاة ذلك، نشطت قنوات التواصل بين المرجعيات الدينية والروحية والسياسية، في مسعى احتوائي هدفه تطويق تداعيات الحادثة ومنع انزلاقها إلى فتنة داخلية، خصوصًا في لحظة بالغة الدقة تتطلب أعلى درجات التماسك الوطني في مواجهة التحديات الأمنية الداهمة.

 

أمنيًا، يتكرّس منسوب التصعيد بوتيرة غير مسبوقة، مع تسجيل أكثر من 80 غارة إسرائيلية خلال 48 ساعة، حاصدةً أعدادًا كبيرة من الضحايا. وتزامن ذلك مع رسالة أميركية حازمة صادرة عن السفارة الأميركية في لبنان حملت دلالة واضحة بعبارة “انتهى زمن التردد”، في مؤشّر صريح الى دخول لبنان في مرحلة ضغط دولي متصاعد، يواكب التباطؤ الرسمي في بلورة خيارات تفاوضية جدية لوقف النزاع.

 

وفي الإطار الدبلوماسي، تتكثف المؤشرات إلى توجّه الولايات المتحدة نحو تسويق صيغة اتفاق محدود بين لبنان وإسرائيل، يُراد له أن يشكّل مخرجًا مرحليًا يخفف الأعباء دون الانخراط في مسار تطبيع شامل. غير أن أوساطًا سياسية ترى في هذا الطرح قفزًا فوق الوقائع، مشددةً على أن غياب وقف إطلاق النار يُفقد أي مسار تفاوضي مقوماته الأساسية.

 

إقليميًا، كشفت رويترز عن طرح إيراني يتضمن فتح مضيق هرمز مقابل وقف الهجمات وتأجيل البت في الملف النووي، في محاولة لإعادة ترتيب الأولويات وتهيئة الأرضية لتفاهمات أوسع. وفي السياق ذاته، أفادت CBS بانضمام نيك ستيوارت، المسؤول السابق في إدارة دونالد ترامب، إلى فريق التفاوض الأميركي، إلى جانب جاريد كوشنر والمبعوث ستيف ويتكوف، وذلك عقب تعثر محادثات إسلام آباد التي قادها جي دي فانس مطلع نيسان.

في موازاة ذلك، كتب الرئيس الأميركي دونالد ترامب على منصة “تروث سوشال”: “سأقوم قريبًا بمراجعة الخطة التي أرسلتها إيران إلينا، لكن لا يمكنني أن أتخيّل أنها ستكون مقبولة، إذ إنهم لم يدفعوا بعد ثمنًا باهظًا بما يكفي لما فعلوه بالبشرية والعالم على مدار الأعوام الـ47 الماضية.”

وعن إمكان استئناف الهجمات ضد إيران، صرّح ترامب: “يمكن أن يحدث ذلك”

بذلك، يبدو أنّ لبنان يقف على حافة منعطف حاسم، حيث لم يعد الترف السياسي متاحًا ولا الوقت قابلًا للهدر. الضغوط تتراكم من كل اتجاه، وهوامش الحركة تضيق إلى حدّ الاختناق، فيما كل تأخير في اتخاذ قرار واضح يقرّب البلاد أكثر من لحظة الانفجار الكبير، التي قد لا تترك مجالًا للعودة أو التصحيح.

 

جوني خلف – رئاسة التحرير

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى