سياسةمقالات وتقارير

هدنة تتآكل.. لبنان في مواجهة مرحلة حرجة

كتبَ جوني خلف:

 

لم يعد التصعيد الإسرائيلي مجرّد استعراض قوة أو رسائل ضغط تكتيكية، بل بات أقرب إلى مسار متدرّج نحو كسر قواعد الاشتباك القائمة. التحذيرات التي خرجت من الإعلام الإسرائيلي حول احتمال انهيار اتفاق وقف إطلاق النار ليست معزولة، بل تتكامل مع قرار سياسي واضح عبّر عنه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بإعطاء الضوء الأخضر لجيش العدو بضرب أهداف تابعة لـ”حزب الله” “بقوة”. وعندما تُترجم هذه القرارات إلى غارات فعلية على الجنوب، فإن الرسالة تتجاوز الميدان: إسرائيل ترفع السقف، وتختبر حدود الرد وحدود الصبر الدولي.

لكن ما جرى على الأرض كان أكثر من مجرد ضربات عسكرية. مشهد النزوح الليلي من صور وضواحيها، باتجاه بيروت أعاد فتح جرح لم يلتئم بعد. آلاف العائلات التي غادرت تحت وقع الغارات لا تقرأ البيانات العسكرية، بل تعيش الخلاصة المباشرة: الهدنة لم تعد ضمانة، والاستقرار أصبح هشاً إلى حدّ الانكسار.

في موازاة ذلك، يتّضح أن التصعيد لا يُقرأ من زاوية لبنانية فقط. توصية رئيس الأركان الإسرائيلي، وفق “القناة 13”، بضرورة إبلاغ واشنطن باستئناف القتال في إيران، تكشف أن لبنان قد يكون مجرّد حلقة في سلسلة تصعيد إقليمي أوسع. هنا، يصبح أي اشتعال على الجبهة الجنوبية قابلاً للتحول إلى مواجهة متعددة الساحات، حيث تختلط الحسابات اللبنانية بالإيرانية والدولية في مشهد واحد معقّد.

وسط هذا المناخ، كانت قد برزت زيارة الأمير يزيد بن فرحان، إلى بيروت كعامل توازن، لا كوساطة تقليدية. الرسالة السعودية جاءت مركّبة: لا رفض لمسار التفاوض، لكن لا اندفاع أعمى نحوه. تفاوض هادئ، تدريجي، بلا استعراض سياسي، وبشروط واضحة لا لبس فيها. انسحاب إسرائيلي كامل، إعادة إعمار، وحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية. إنها محاولة لرسم سقف واقعي يمنع الانهيار دون أن يفرض تنازلات سيادية.

غير أنّ الموقف الأبرز في الزيارة وبحسب المعلومات، لم يكن فقط في دعم التفاوض، بل في رسم الخطوط الحمراء. رفضٌ قاطع لأي لقاء أو تواصل بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء الإسرائيلي، التزاماً بالإجماع العربي. هذا الموقف يبدو انه لا يقتصر على الشكل، بل يقطع الطريق على سيناريوهات فرض تطبيع سياسي تحت ضغط النار، ويؤكد أن أي تفاوض يجب أن يبقى ضمن قواعد إقليمية.

في الداخل، تتكثف الحركة السياسية على وقع هذا الضغط. زيارة مرتقبة غدًا لرئيس مجلس النواب نبيه بري إلى قصر بعبدا، تبدو انها ليست تفصيلاً بروتوكولياً، بل محطة أساسية لتحديد اتجاه البوصلة. المؤشرات حتى الآن واضحة: لا اعتراض على مبدأ التفاوض، لكن رفض حاسم لأي مشهد يُظهر لبنان كأنه يُدفع إلى طاولة مباشرة تحت الإكراه.

أما في العمق، فتتجاوز الرسائل السعودية البعد الأمني إلى إعادة تثبيت التوازنات الداخلية والتأكيد على دعم العلاقة بين الرؤساء الثلاثة. كلها إشارات إلى أن الاستقرار السياسي الداخلي هو خط الدفاع الأول في مواجهة الضغوط الخارجية. فالتفكك الداخلي، في هذه اللحظة، قد يكون أخطر من أي تهديد عسكري.

لبنان اليوم ليس فقط بين الحرب والتفاوض، بل بين سيناريوهين أحلاهما مرّ:
إما تصعيد متدرّج قد ينفلت إلى مواجهة شاملة لا يمكن احتواؤها، وإما مسار تفاوضي محكوم بضغوط دولية وسقوف إقليمية، قد يفرض تنازلات تحت عنوان “الواقعية”. وفي الحالتين، الحقيقة التي تتكرّس أكثر من أي وقت مضى:
لبنان لم يعد يملك ترف الوقت… ولا هامش الخطأ.

جوني ج خلف – رئاسة التحرير.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى