لبنان بين طاولة التفاوض ونار الميدان.. هدنة على حافة الانفجار

كتب جوني خلف:
بين عدّاد هدنة يقترب من الصفر، ومسار تفاوضي يُدفع به إلى الواجهة، يدخل لبنان مرحلة شديدة الحساسية تختلط فيها السياسة بالنار. في الكواليس، ترتسم ملامح مفاوضات مباشرة قد تعيد رسم قواعد الاشتباك، فيما على الأرض تتسارع الوقائع العسكرية بخطوات توحي بأن الميدان لا ينتظر طاولة التفاوض. إنها لحظة اختبار حقيقية: إما تثبيت مسار التسوية، أو الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
على المسار التفاوضي، تتسارع التحضيرات لإطلاق مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، في واشنطن، استكمالاً للقاء تمهيدي عُقد الأسبوع الماضي. ورغم غياب أي موعد رسمي حتى الآن، تشير المعطيات إلى أن الدولة اللبنانية رفعت مستوى الجهوزية إلى أقصاه: وفد قيد الإعداد، ورقة تفاوضية شبه مكتملة، ومقاربة تستند إلى القرارات الدولية وهدنة عام 1949، إضافة إلى الخطاب السياسي الذي رسمه رئيس الجمهورية جوزيف عون كإطار ناظم لهذا المسار.
في الداخل، وبحسب المعلومات، يُدار هذا المسار على إيقاع تنسيقٍ سياسي دقيق بين بعبدا وعين التينة، بعيداً من الأضواء، فقنوات التواصل بين رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري لم تنقطع، بل تتكثف مع كل محطة حساسة. وحتى الاتصالات الدولية ذات الطابع المفصلي، ولا سيما المرتبطة بواشنطن، تمرّ عبر هذا التشاور المسبق، في مسعى واضح لتوحيد الموقف الرسمي وضبط إيقاع القرار في مرحلة شديدة الحساسية.
على خط موازٍ، لا يعكس الميدان أي مؤشرات تهدئة، فإسرائيل تمضي في تثبيت معادلة جديدة جنوباً، معلنة إنشاء حزام أمني بعمق يصل إلى عشرة كيلومترات، في خطوة تعيد إلى الواجهة نماذج سابقة ولكن بأبعاد أكثر خطورة، ما يطرح تساؤلات جدية حول اتجاهات التصعيد وحدود الاشتباك في المرحلة المقبلة.
في المقابل، جاء ردّ حزب الله حاداً ومباشراً، عبر حملة تخوين واسعة طالت رئيس الجمهورية دون أن يسمّيه، على خلفية ما اعتُبر خروجاً عن الخط السياسي التقليدي، مع تلويح باستخدام الشارع، بل وحتى الذهاب إلى مواجهة مفتوحة في حال استمر المسار التفاوضي وصولاً إلى اتفاق دائم مع إسرائيل. هذا التصعيد السياسي ترافق مع إشارات ميدانية لافتة، أبرزها الطلب إلى جمهور الحزب الذي جاء على لسان نائب رئيس المجلس السياسي في “حزب الله” “محمود قماطي”، مغادرة الجنوب والعودة إلى أماكن الإيواء، في مؤشر واضح إلى توقع سيناريو أمني متدهور.
إقليمياً، تتشابك الجبهات أكثر من أي وقت مضى. إعادة إقفال مضيق هرمز من قبل إيران تعيد رفع منسوب التوتر إلى مستويات عالية، وتفتح الباب أمام احتمالات تصعيد مترابط، حيث قد يتحول الجنوب اللبناني إلى ساحة رسائل متبادلة في إطار صراع أوسع، وذكرت الإذاعة الإسرائيلية صباح اليوم الأحد، انّ الطاقم الوزاري المصغر يجتمع الليلة لبحث تطورات أزمة مضيق هرمز ووقف إطلاق النار في لبنان، وأشارت صحيفة “معاريف” العبرية، عن مسؤول عسكري إسرائيلي الى أنّ واشنطن وتل أبيب مستعدتان لاحتمال انهيار وقف إطلاق النار في إيران
ميدانياً أيضاً، برز امس تطور بالغ الخطورة في بلدة الغندورية، حيث أدى إطلاق النار على دورية فرنسية ضمن قوات “اليونيفيل” إلى مقتل جندي فرنسي. الحادثة سرعان ما تخطّت بعدها الأمني، لتتحول إلى أزمة سياسية – دبلوماسية، مع اتهام مباشر وجّهه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لحزب الله بالوقوف خلف العملية، ما يضع لبنان أمام ضغوط دولية إضافية في توقيت بالغ الحساسية.
إذًا، لبنان أمام لحظة مفصلية تُختصر بصراعٍ بين منطقين: منطق التسوية الذي يُدفع به إلى الواجهة، ومنطق الميدان الذي يفرض إيقاعه بالقوة. وبين الاثنين، هامشٌ ضيّق تتحرك فيه الدولة، تحاول من خلاله منع الانزلاق إلى ما هو أخطر، غير أن المعادلة لم تعد تحتمل الترف. فالمفاوضات، مهما بلغت دقتها، تبقى رهينة الداخل أولاً. وأي اهتزاز في الجبهة السياسية الداخلية كفيل بإسقاطها قبل أن تبلغ خواتيمها. ومع تصاعد المؤشرات الميدانية، يتقدم شبح التصعيد على حساب منطق التسويات، ليبقى الاحتمال الأكثر ترجيحاً: أن تسبق التطورات على الأرض أي اتفاق، وأن يُفرض المسار من هناك، لا من طاولة التفاوض.
جوني ج خلف – رئاسة التحرير




