حين يتقدم الميدان على السياسة.. لماذا تبدو مفاوضات لبنان مؤجلة؟

كتب جوني خلف:
في خضمّ التصعيد العسكري والتوترات المتلاحقة، يتكاثر الحديث عن إمكان فتح باب المفاوضات، غير أنّ الوقائع الميدانية والسياسية لا تزال تشير إلى أن هذا المسار لم يبلغ بعد مرحلة النضوج. فبين ما يُسرَّب في الإعلام وما يجري فعليًا على الأرض، تبدو المسافة واسعة، فيما يبقى الحذر سيد الموقف في تحديد أي موعد محتمل لانطلاق عملية تفاوضية.
فالحديث الذي أوردته صحيفة هآرتس الإسرائيلية حول إمكان انطلاق مفاوضات في الأيام المقبلة لا يعكس، وفق مصادر لبنانية رفيعة، واقع المسار السياسي القائم. وإن المؤشرات الحالية لا تدل على نضوج العملية لا من حيث التوقيت ولا المكان، ولا حتى من حيث تركيبة الوفود المفترضة. وفي المقابل، تعطي إسرائيل أولوية واضحة للعمليات البرية التي تنفذها في جنوب نهر الليطاني، ما يعزز الانطباع بأن الخيار العسكري لا يزال يتقدم على أي مسار تفاوضي محتمل.
وعلى خط الوساطات الدولية، دخلت كل من قبرص وفرنسا وألمانيا في محاولات لفتح قنوات تفاوض، غير أنّ هذه الجهود لم تُفضِ حتى الآن إلى أي نتائج ملموسة، ما يعكس حجم التعقيدات الإقليمية والدولية التي تحيط بالملف اللبناني.
إيران و واشنطن
نقلت وكالة رويترز عن مسؤولين، أحدهما إيراني وآخر أميركي، أن كلاً من إيران والولايات المتحدة لا تبديان رغبة في إطلاق مسار تفاوضي في الوقت الراهن. وجاء ذلك بالتزامن مع تصريحات جديدة لوزير الخارجية الإيراني، حذّر فيها من احتمال استهداف شركات أميركية في حال أقدمت واشنطن على ضرب منشآت الطاقة في إيران.
ويأتي هذا التصعيد بعد موجة من الهجمات الإيرانية التي طالت دولاً في الخليج، رداً على استهداف الولايات المتحدة جزيرة خرج الإيرانية، ما يزيد من تعقيد المشهد، وأفادت مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، رفضت أمس السبت، جهودا يبذلها حلفاؤها في الشرق الأوسط لبدء مفاوضات مع إيران، بحسب “سكاي نيوز عربية”.
إلى ذلك، توعّد الحرس الثوري الإيراني اليوم الأحد بـ”مطاردة” رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو و”قتله”، مع دخول الحرب مع إسرائيل والولايات المتحدة يومها السادس عشر.
وقال الحرس على موقعه الإلكتروني إنه “إذا كان هذا المجرم قاتل الأطفال على قيد الحياة، فسنستمر بالعمل على مطاردته وقتله بكل قوة”.
الداخل اللبناني
في الداخل اللبناني، لا يزال الموقف الرسمي متحفظاً إزاء الحديث عن مفاوضات قريبة. فمصادر لبنانية مسؤولة تؤكد أن ما يُتداول عن بدء مفاوضات في الأيام المقبلة يفتقر إلى الدقة، مشيرة إلى أن العملية لم تنضج بعد من حيث التوقيت أو الإطار أو تركيبة الوفد.
وفي هذا السياق، يشدد رئيس مجلس النواب نبيه بري في مواقفه على أن الأولوية تبقى لوقف إطلاق النار قبل أي خطوة تفاوضية. وقد اشترط أي إيجابية من قبله تجاه التفاوض بأمرين أساسيين هما وقف إطلاق النار وعودة النازحين، رافضاً الخوض في أي تفاصيل أخرى قبل أوانها.
كما تؤكد مصادر سياسية أن لبنان لن يقبل الذهاب إلى أي مفاوضات من دون وجود ممثل شيعي ضمن الوفد المفاوض، في إشارة إلى ضرورة مراعاة التوازنات الداخلية الحساسة في مثل هذا الملف.
في موازاة ذلك، تتحدث مصادر ديبلوماسية عن شروط قاسية يتبلغها لبنان من جهات دولية لوقف الحرب، أبرزها الاعتراف بدولة إسرائيل، وتصنيف حزب الله منظمة إرهابية، إضافة إلى سحب سلاح الحزب والسيطرة على مواقعه، تمهيداً للدخول في مسار تفاوض مباشر وصولاً إلى اتفاق سلام.
وترى هذه المصادر أن مثل هذه الشروط تبدو أقرب إلى وصفة لتفجير الوضع اللبناني من الداخل، أو دفع البلاد نحو استمرار حرب التدمير والتهجير من الخارج.
في المحصلة، تبدو صورة المفاوضات حتى الآن محكومة بتوازنات معقدة تتجاوز لبنان إلى حسابات إقليمية ودولية أوسع. وبين أولوية الميدان العسكري وتعثر الوساطات وتشابك الشروط السياسية، يبقى الحديث عن مفاوضات قريبة أقرب إلى تسريبات إعلامية منه إلى مسار سياسي ناضج.
أما لبنان، فيقف مجدداً عند تقاطع الضغوط الخارجية والهواجس الداخلية، حيث يبقى وقف إطلاق النار المدخل الوحيد لأي نقاش جدي حول المستقبل، فيما تبقى بقية السيناريوهات رهينة تطورات الميدان وتبدلات المشهد الإقليمي.
ميدانيُا، شنّت إسرائيل فجرًا غارة استهدفت شقة في منطقة الشرحبيل في شمال شرق صيدا، مما أدى إلى اغتيال القيادي في حماس سليم طه وسقوط عدد من الجرحى.
وهدوء حذر تشهده الضاحية الجنوبية لبيروت بعد تكرار ادرعي للانذار نفسه ثلاث مرات لضرورة الإخلاء.
جنوبيا، تطال الغارات الاسرائيلية معظم القرى والبلدات الجنوبية، واشتباكات مازالت مستمرة بين عناصر من حزب الله وقوة من جيش العدو الإسرائيلي في منطقة الخيام، قيل أن هدف الجيش الإسرائيلي منها هو التقدّم للتثبيت بشكل دائم في وسط المدينة حيث كثف من الغارات والقصف المدفعي.
في المقابل، نقلت “يسرائيل هيوم” عن مسؤولين ان “إسرائيل لا ترغب في هذه الفترة بتوسيع هجماتها على لبنان كونها تركز على إيران”.
بقلم “جوني خلف” – رئاسة التحرير.




