سياسةمقالات وتقارير

“بين حلم إسرائيل بالتمدّد وحسابات واشنطن و إيران… لبنان على خط الصفر”

كتبَ جوني خلف:

في لحظة إقليمية بالغة الدقة، تتقاطع فيها حسابات الميدان مع رهانات السياسة، تبدو المنطقة وكأنها تمشي على حافة تصعيد كبير، حيث تتكاثر الرسائل النارية وتضيق هوامش المناورة. المشهد مفتوح على احتمالات متعددة، من ضربة محدودة تحمل طابع الردع، إلى مواجهة أوسع قد تعيد رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط.

تترقّب الأوساط السياسية مسار التحرّكات العسكرية المتسارعة، وسط تقارير عن ضربة أميركية محتملة تستهدف مواقع إيرانية وُصفت بالحساسة، مع تضارب واضح بشأن حجمها وتوقيتها وأهدافها النهائية. هذا الغموض لا يعكس فقط ضبابية القرار، بل يُستخدم أيضاً كورقة ضغط في بازار الرسائل المتبادلة بين واشنطن وطهران.

وفي موازاة التصعيد الميداني، يرتفع منسوب الخطاب السياسي في الولايات المتحدة. فقد دعا السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى المضي قدماً في مواجهة إيران، محذّراً من أن أي تراجع في هذه المرحلة سيشكّل، برأيه، “كارثة لأجيال” ونتيجة “أسوأ من أفغانستان”، في استحضار مباشر لتداعيات الانسحاب الأميركي هناك. وفي مقابلة مع القناة 14 الإسرائيلية، اعتبر غراهام أن ملف إيران سيُحسم “خلال أسابيع لا أشهر”. وذهب إلى حد القول إن المنطقة تقف على أعتاب “أكبر تغيير منذ ألف عام”، في توصيف يعكس قناعته بأن ما يجري ليس جولة عابرة، بل تحوّل مفصلي.

ومن داخل الإدارة الأميركية، برزت إشارات إلى تصاعد حدّة الانزعاج من الموقف الإيراني. إذ نقل المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف أن الرئيس دونالد ترامب أبدى غضباً واضحاً لعدم تجاوب طهران مع المطالب الأميركية، رغم الضغوط العسكرية المتزايدة. وهو موقف يُفهم منه أن أدوات الضغط الحالية لم تُترجم إلى استجابة سياسية، ما قد يدفع نحو خيارات أكثر تشدداً إذا استمر الانسداد.

وفي تحذير جديد يعكس تصاعد القلق الأميركي إزاء البرنامج النووي الإيراني، أشار ويتكوف، إن طهران قد تكون على بعد أسبوع واحد فقط من القدرة على إنتاج قنبلة نووية، مؤكداً أن واشنطن لن تسمح بتحقق هذا السيناريو.

ويشير هذا التصريح إلى ما يعتبره المسؤولون الأميركيون “خطاً أحمر” في مسار البرنامج النووي الإيراني، حيث يُرسم للقرار العسكري والسياسي حدوداً واضحة بين الردع والحسم المحتمل. اذ يُظهِر هذا الموقف أن الإدارة الأميركية تحاول استخدام عنصر الزمن كورقة ضغط، بحيث تخلق حالة استنفار إقليمية ودولية لتقييد خيارات إيران، وفي الوقت نفسه تمهّد لتبرير أي إجراءات عسكرية محتملة قبل أن تصل طهران إلى مرحلة القدرة الفعلية على تصنيع سلاح نووي بحسب الرواية الاميركية

في المقابل، أثار تطوّر إعلامي – سياسي استياءً واسعاً في عدد من الدول العربية، ولبنان في مقدّمها. فقد أجرى الإعلامي الأميركي تاكر كارلسون مقابلة مع السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي، المعيّن من قبل دونالد ترامب في منصبه عام 2025. وخلال الحوار، طُرحت قراءة لآية في سفر التكوين تُفسَّر بأنها تمنح إسرائيل حقاً في الأراضي الممتدة بين النيل والفرات، أي ما يشمل جغرافياً مساحات من مصر وصولاً إلى العراق وسوريا ولبنان وبعض المساحات الخليجية. فجاء رد هاكابي صريحاً بقوله إنه يعتقد بصحة هذا الطرح، مضيفاً أن ذلك يشمل عملياً كامل الشرق الأوسط، بل واعتبر أنه “سيكون من الجيد لو أُخذت كلها”. تصريحات حملت أبعاداً تتجاوز النقاش الديني إلى إسقاطات جيوسياسية تمسّ سيادة دول قائمة وحدوداً معترفاً بها.

وبين هذه الطروحات ذات الطابع العقائدي، واحتمال انخراط واشنطن في مواجهة مباشرة مع طهران، تبدو إسرائيل برئيس وزارائها بنيامين نتنياهو وكأنها تعتمد استراتيجية استباقية تقوم على مزيد من الإضعاف لما يُعرف بأذرع إيران في المنطقة، تمهيداً لأي ضربة أميركية محتملة. وفي هذا السياق، عاد العدوان الإسرائيلي ليثقل كاهل لبنان عبر سلسلة غارات عنيفة ليل الجمعة الفائت، استهدفت البقاع وبعلبك مرتكب مجزرة ذهب ضحيتها عدد كبير من الشهداء والجرحى، وسبقتها ضربات على مخيّم عين الحلوة. وأعلن جيش العدو الإسرائيلي أن الهجمات على مواقع لـ«حزب الله» و«حماس» انطلقت من سفن حربية وصواريخ أُطلقت من عرض البحر الأبيض المتوسط، في خطوة تحمل دلالات عسكرية تتجاوز الحدود اللبنانية، وتنذر بإمكان اتساع رقعة الاشتباك إقليمياً.

في المقابل، نعى حزب الله ثمانية من عناصره، فيما أفادت وكالة الصحافة الفرنسية نقلاً عن مصدر في الحزب أنهم كانوا مجتمعين لحظة استهداف الموقع. ورداً على هذا التصعيد، شدد نائب رئيس المجلس السياسي في الحزب محمود قماطي على أن خيار «المقاومة» مطروح بقوة، معتبراً أن استهداف العمق اللبناني يفرض إعادة النظر في قواعد الاشتباك.

وتعليقاً على التصعيد الإسرائيلي، قال نائب حزب الله رامي بو حمدان: “لن نقبل أن تتخذ السلطة موقع المحلّل السياسي، كأن تقول إن هذه ضربات إسرائيلية اعتدنا عليها قبل كل اجتماع للميكانيزم”. وأضاف أن “أدنى موقف منها يجب أن يكون تجميد اجتماعات هذه اللجنة إلى حين إيقاف العدو اعتداءاته، لتكون بمثابة اختبار حقيقي لهذه اللجنة ورعاتها، ولو لمرة واحدة”.

كما شدد بو حمدان على أن “تحرك السلطة يجب أن يكون سريعاً وفعّالاً، مع تحمل الحكومة والدولة كامل مسؤولياتها بجدية، بعيداً عن أي سياسة خضوع أو استسلام”.

وسط هذا المشهد المتشابك، تلقّى لبنان إشارات واضحة بضرورة الإسراع في إطلاق المرحلة الثانية من خطة الجيش، تحسّباً لأي تطورات طارئة، ولتهيئة الأرضية اللازمة لتأمين مقومات الدعم المنتظر لمؤتمر دعم الجيش والقوى المسلحة. غير أن الطريق إلى هذا الدعم لا يبدو سالكاً بالكامل، إذ يبقى مفتاحه رهن التفاهم الأميركي – السعودي، وهو الغطاء الذي لم تتوافر معطياته بعد، لا سيما في ما يتصل بآلية انطلاق عمل الجيش شمال الليطاني والضمانات المطلوبة في هذا الإطار.

مع تصاعد التوترات الإقليمية والدولية والتغيّرات المتسارعة، يبدو أنّ المرحلة المقبلة مليئة بالمخاطر، ولبنان على خط الصفر، حيث كل قرار أو خطوة خاطئة بالداخل، قد تعيد رسم المشهد بالكامل. وفي ظل هذه المتغيرات، تظل اليقظة السياسية عنصر حاسم لتفادي الانزلاق نحو سيناريوهات غير محسوبة.

جوني خلف ـ رئاسة التحرير
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى