سياسةمقالات وتقارير

بين الحكومة و “الحزب”.. جنوب لبنان نموذج لإعادة البناء و الأمل

كتبَ جوني خلف:

اختار رئيس الحكومة نواف سلام أن يحيي الذكرى الأولى لتأليف حكومته من الجنوب، في خطوة تجاوزت طابعها الرمزي لتلامس جوهر المرحلة السياسية والأمنية الدقيقة التي تمرّ بها البلاد. فجولة اليوم الجنوبي لم تكن مجرّد محطة بروتوكولية، بل عكست بوضوح سلّم الأولويات المطروح، من إعادة إعمار ما دمّرته الحرب، إلى التعقيدات المرتبطة باستمرار الاحتلال الإسرائيلي لنقاط حدودية، في ظل واقع ميداني وسيادي شديد الحساسية. وفي موازاة ذلك، شكّلت الحفاوة الشعبية التي رافقت الزيارة عنصرًا لافتًا في المشهد، حمل دلالات لا يمكن فصلها عن المزاج العام في الجنوب.

وتشير مصادر مطّلعة في “حزب الله” إلى أنّ زيارة نواف سلام لم تقتصر على طابعها الرمزي، بل جاءت بمثابة جسر مباشر للاستماع إلى نبض الأهالي وهمومهم، وهو ما وجدت له صدىً داخل الحزب في أجواء إيجابية أحاطت بالزيارة ومراسم الاستقبال. غير أنّ هذه المصادر تؤكد أنّ المعيار الحقيقي للنجاح يكمن فيما بعد الانتهاء من الجولة، معتبرة أنّ جوهر الأمر يكمن في الانتقال من التودد الشكلّي إلى أفعال ملموسة، عبر قرارات حكومية تمنح الجنوبيين الأمان، وتسرّع تحرير الأراضي، وتفتح الطريق لعودة الأهالي إلى قراهم واستعادة حياتهم الطبيعية.

وفي ما يتعلق بالملف الأمني، توضح المصادر أنّ هناك فرقًا بين الوضع جنوب نهر الليطاني، حيث يسيطر الجيش اللبناني بشكل كامل على الأراضي وينفذ مهامه بسلاسة، وبين شمال النهر، الذي يُعتبر شأنًا داخليًا لبنانيًا يُعالج ضمن الأطر الوطنية بعيدًا عن أي ضغوط خارجية. كما أشارت المصادر إلى أنّ زيارة رئيس الحكومة كانت مقررة منذ فترة، إلا أنّ تحديد موعدها النهائي كان قرارًا شخصيًا لرئيس الحكومة نواف سلام.


في موازاة ذلك، حدّد رئيس الحكومة ملامح المقاربة الحكومية للمرحلة المقبلة، مؤكدًا أنّ العمل ينطلق من ثلاث ركائز أساسية تتمثّل في صون كرامة النازحين، وتثبيت عودة الأهالي إلى مناطقهم، وتحسين الظروف المعيشية لأبناء الجنوب. وأوضح أنّ هذه العناوين تُترجم عبر مسارات متوازية تشمل الاستجابة للحاجات الطارئة، إطلاق ورشة إعادة الإعمار، وتهيئة شروط التعافي الاقتصادي والاجتماعي المستدام.


وفي هذا الإطار، أعلن سلام الشروع في تنفيذ حزمة من المشاريع بعد استكمال تأمين تمويلها، من خلال مزيج من الموارد المحلية والدعم الخارجي. وتشمل هذه الموارد منحًا أوروبية بمشاركة فرنسية ودنماركية بقيمة 35 مليون يورو مخصّصة لتحريك العجلة الاقتصادية، ولا سيما في القطاع الزراعي والتعاونيات، إضافة إلى مساهمة من الوكالة الفرنسية للتنمية بقيمة 75 مليون يورو، وقروض ميسّرة من البنك الدولي تصل إلى 250 مليون دولار، فضلًا عمّا رُصد ضمن الموازنة العامة. وختم بالتأكيد أنّ الجنوب سيبقى حاضرًا على جدول زياراته، مع جولة ثانية مرتقبة لمتابعة تنفيذ هذه المشاريع ميدانيًا.

زيارة هيكل الى واشنطن


على خط موازٍ، نقلت مصادر أميركية أنّ زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى واشنطن اتسمت بإيجابية واضحة، إذ قدّم إجابات شاملة عن مجمل الأسئلة التي طرحها المسؤولون الأمنيون الأميركيون. وأكدت هذه المصادر أنّ المساعدات العسكرية التي يقرّها البنتاغون سنويًا للجيش اللبناني لا تزال ثابتة ولم تتأثر بأي سجالات جانبية. كما أوضحت أنّ مواقف السيناتور ليندسي غراهام لا تعبّر عن السياسة الرسمية لواشنطن، وأن ما جرى خلال اللقاءات لم يترك أي أثر على نتائج الزيارة، مرجّحة أن تكون تلك المواقف مرتبطة بحسابات انتخابية داخلية مع اقتراب الانتخابات النصفية للكونغرس.

تغيير بنية حزب الله الادارية

تزامنًا مع هذه التحركات السياسية الإيجابية والتغيرات المتسارعة على الساحة الحكومية والأمنية، تشير معطيات لبنانية مطّلعة إلى أنّ “حزب الله” بدأ مرحلة من إعادة ضبط هيكلي داخلية، تشمل بنيته الإدارية وأساليب اتخاذ القرار، مع ميل واضح نحو تركيز الصلاحيات وربط مختلف الوحدات التنظيمية مباشرة بالقيادة العليا. وتُظهر هذه المرحلة تغيّرًا لافتًا في الواجهة القيادية، حيث تصدرت أسماء مثل محمد رعد، محمود قماطي، وإبراهيم الموسوي المشهد، في وقت تراجع فيه الدور الديني الذي كان يشكّل محورًا أساسيًا في الماضي، ما يعكس توجّهًا مدروسًا نحو تعزيز البعد السياسي في إدارة الحزب.

وفي سياق متصل، تم تجميع الأنشطة الإعلامية للحزب تحت إدارة مركزية موحدة، تشرف عليها شخصية قيادية بارزة وتتلقى توجيهاتها مباشرة من القيادة العليا، في خطوة تهدف إلى ضبط الخطاب العام وتوحيد الرسائل وتحديد نطاق الظهور الإعلامي بدقة. وعلى صعيد التشكيلات الفردية، ترى المصادر أنّ هذه التحولات ليست بمعزل عن تداعيات الحرب الأخيرة والتحولات الإقليمية، ولا سيما الانكفاء الإيراني ومسار المفاوضات الجاري بين طهران وواشنطن، حيث أضحى الحزب أكثر التزامًا بالواقعية السياسية، واعيًا إلى أنّ العديد من الاستراتيجيات السابقة لم تعد صالحة للتطبيق في ظل الظروف الراهنة.

مع هذه التحركات السياسية والأمنية، يطلّ الجنوب كميدان للأمل، حيث تتحوّل التعهدات إلى خطوات ملموسة تعزز التعافي وتنمّي الثقة، ما يمنح مساحة للتفاؤل بمستقبل أفضل للمنطقة وللبنان ككل.

جوني ج خلف – رئاسة التحرير

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى