سياسةمقالات وتقارير

أيام حاسمة للبنان في ظل التوتر الأميركي–الإيراني..

الدولة ترتّب أوراقها و “الحزب” يربط مستقبل اللبنانيين بمصالح إيران

كتبَ جوني خلف:

على إيقاع تصعيد سياسي وإعلامي متسارع، تقف المنطقة أمام مفترق دقيق، حيث يتقدّم السباق بين احتمال المواجهة العسكرية وإمكان العودة إلى طاولة المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران. أيامٌ قليلة قد تكون كفيلة بحسم الاتجاه، في ظل سيل من العناوين والتحليلات التي توحي بأنّ خيار الحرب بات وشيكًا.

في هذا الإطار، تتكثّف الضغوط والمساعي الدبلوماسية الهادفة إلى انتزاع تنازلات من طهران وتفادي الانزلاق نحو مواجهة عسكرية، في مشهد يستحضر إلى حدّ بعيد الأجواء التي سبقت الحرب على بغداد. فبحسب المعطيات المتداولة، جرى إعداد تصوّر تفصيلي لخيار الضربة العسكرية من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالتنسيق مع إسرائيل، في مقابل استعداد إيراني معلن للرد، بعد أن أعطى مرشد الثورة توجيهاته بالتصدي لأي هجوم من دون الحاجة إلى العودة إليه مجددًا.


في هذا السياق، نفى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني ما يُتداول عن استعدادات لضربة عسكرية واسعة ضد إيران، معتبرًا أنّ تلك المقاربات تندرج في إطار التهويل الإعلامي، ومؤكدًا أنّ المسار الفعلي يشهد تقدّمًا ملموسًا في بلورة إطارٍ بنيوي للمفاوضات، بعيدًا عن أجواء التصعيد المعلنة.


وفي موازاة ذلك، أشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في تصريح أدلى به ليل أمس، إلى أنّ قنوات التواصل مع إيران لا تزال قائمة، قائلاً إنّ “طهران تتحدث إلينا، وسنرى ما إذا كان بالإمكان تحقيق أمرٍ ما”. ويعكس هذا الموقف، وفق القراءة السياسية السائدة، إدراك القيادة الإيرانية لجدّية التهديدات المطروحة، وما تحمله من مخاطر محتملة، الأمر الذي دفعها إلى التعامل بمرونة أكبر مع مسار المفاوضات والانخراط فيه ضمن الشروط المطروحة. ولكن يبقى عنصر المفاجأة لدى الرئيس ترامب موجودًا، ومن يدري؟ فقد يفعلها في أيّ وقت!


في حال اندلاع المواجهة

لا تبدو الحرب المحتملة محدودة أو عابرة، إذ يدرك النظام الإيراني أنّ نتائجها قد تكون مصيرية، ما يفسّر استعدادَه للذهاب بعيدًا في الرد والدفاع، ما لم يُفاجأ بسيناريو غير محسوب، على غرار ما شهدته تجارب سابقة في المنطقة. هذا الواقع هو ما يدفع دول الخليج وتركيا وغيرها إلى تكثيف جهود الوساطة، خشية تداعيات حرب قد تتجاوز حدود الأطراف المباشرة وتطال استقرار الإقليم برمّته.

قائد الجيش اللبناني في واشنطن


لبنانيًا، تتّجه الأنظار إلى واشنطن، حيث تكتسب زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل بعدًا استثنائيًا في توقيتها ومضمونها، في ظل مناخ إقليمي بالغ التعقيد. ويجري هيكل مباحثاته حاملاً ملفًا متكاملًا يتناول مسار خطة حصر السلاح ومراحلها المقبلة، إلى جانب عرض تفصيلي لاحتياجات المؤسسة العسكرية، بما يمكّنها من أداء دورها على كامل الأراضي اللبنانية بأفضل صورة ممكنة.


وبحسب المعطيات المتوافرة، من المقرّر أن يلتقي قائد الجيش نائب مساعد الرئيس الأميركي، والمدير الأول لمكافحة الإرهاب في مجلس الأمن القومي الأميركي سيباستيان غوركا، وذلك عقب اجتماعات يعقدها مع مسؤولين في القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم»، على أن تشمل الزيارة أيضًا لقاءات مع عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي.


وفي هذا الإطار، تشدّد مصادر مطّلعة على أنّ الجانب الأميركي يتطلع باهتمام إلى ما سيعرضه هيكل، ولا سيّما في ما يتصل بملف حصر السلاح غير الشرعي، وفي مقدّمته سلاح حزب الله، بوصفه أحد العناوين الأساسية في مقاربة واشنطن للمرحلة اللبنانية المقبلة.

حزب الله وأمينه العام


وفي مقابل كل هذه الجهود الرسمية والرصينة، يبقى الموقف الأخير لأمين عام حزب الله الشيخ “نعيم قاسم” بارزًا، ليشكل تهديدًا حقيقيًا للاستقرار اللبناني. إعلان قاسم أنّ الحزب “لن يكون على الحياد” إذا تعرّضت إيران لأي ضربة عسكرية، لا يُعد مجرد تصريح سياسي، بل تقرير مصير لبنان ومصادرة قرار الدولة ومؤسساتها والشعب بأسره. وهنا نسأل: من أعطاه الحق بأن يضع حياة اللبنانيين على المحك في حرب ليست من اختيارهم؟


بينما تعمل القيادة اللبنانية من رئيس الجمهورية الى رئيس الحكومة، وصولًا الى المؤسسة العسكرية على حماية الدولة وتحقيق توازن داخلي، يُكرّس موقف “قاسم”  منطق الانخراط المباشر في صراعات خارجية، ما يضع لبنان على خط النار ويهدّد استقراره السياسي والأمني. هذه الرسالة الصريحة، تؤكّد وتكشف أن أولويات حزب الله لم تعُد لبنان كما كانت عليه الى حد سنة “٢٠٠٠” إبّان التحرير، بل اصبحت مصالح إيران الإقليمية، وعلى ما يبدو، إن أي اعتبار لمصالح اللبنانيين أو سيادتهم الوطنية يأتي في آخر سلم أولوياتهم.


 بين انتهاكات العدو الإسرائيلي الغاشم اليومية للاجواء اللبنانية وخروقاته العدوانية المستمرة من قتل وتفجير منازل واحتلال واستهدافات، وبين موقف الشيخ نعيم قاسم الذي يربط لبنان بحرب ليست له، يبقى الشعب اللبناني الضحية الأولى، مستهدفًا ومستسلمًا لمصالح خارجية لا تعرف الرحمة. لبنان اليوم أمام تحذير صارخ: كل خطوة من خارج المؤسسات الشرعية، كل موقف ربط فيه الحزب السلم والحرب بمصالح محور خارجي، يحوّل الدولة بأكملها إلى رهينة ويعيد البلاد إلى دوامة صراع لم تخترها، حيث يدفع المواطنون الثمن الأكبر، وحيث يُخضع القرار الوطني لمصالح خارجية على حساب استقرارهم وحياتهم اليومية.

جوني خلف ـ رئاسة التحرير

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى