حصرية السلاح واستعادة الدولة: سيادة لبنان بين القرار والتنفيذ

كتب جوني خلف:
حملت كلمة رئيس الحكومة نواف سلام، التي ألقاها من السفارة اللبنانية في باريس، دلالات سياسية واضحة باتجاه تكريس مرحلة جديدة، إذ حسم الجدل حول ملف السلاح عبر تأكيده أنّ هذا العنوان بات خارج دائرة التراجع. وفي موازاة ذلك، شدّد على أنّ استعادة الدولة لدورها تمرّ حصرًا عبر التنفيذ الكامل لاتفاق الطائف، بما يعنيه من بسط النفوذ الشرعي وإعادة الإمساك بقرارَي السلم والحرب، مؤكدًا أنّ سلطة القانون لا تعرف مناطق أو استثناءات، وأنّ تطبيقها يشمل كامل الأراضي اللبنانية من دون تمييز جغرافي.
ويأتي هذا الموقف في سياق التوجّه الرسمي الداعم للمسار الذي حدّدته قيادة الجيش اللبناني في ما خصّ ملف حصرية السلاح، باعتباره المدخل الأساسي لتجنيب البلاد الانزلاق نحو رهانات أو مغامرات قد تطيح بما تبقّى من فرص الدعم الخارجي. في هذا الإطار، تبرز أهمية الاستحقاقات الدولية المقبلة، ولا سيما المؤتمر المنتظر في باريس، والذي يُعوَّل عليه لتعزيز قدرات المؤسسة العسكرية وتمكينها من الاضطلاع بمسؤولياتها على نحو أكثر فاعلية.
وفي موازاة ذلك، شدّد سلام على أنّ لجنة «الميكانيزم» لا تزال تؤدي دورًا فاعلًا ولم تستنفد مهمتها بعد، في وقت كشفت مصادر مطّلعة أنّ اللجنة تتّجه إلى عقد اجتماع جديد خلال شهر شباط المقبل، بهدف استكمال الاتصالات والسعي إلى بلورة إطار تفاوضي يفتح الباب أمام وضع حدّ للاعتداءات الإسرائيلية المستمرة.
وفي هذا الإطار، تتقاطع قراءات سياسية على أنّ العواصم المعنية بدعم لبنان تضع مسألة الجدية في تنفيذ حصرية السلاح موضع اختبار فعلي، ولا سيما في المناطق الواقعة شمال نهر الليطاني، حيث يُفترض أن يعرض قائد الجيش العماد رودولف هيكل، مع مطلع شهر شباط، التصوّر التنفيذي لهذه المهمة عقب إقراره من مجلس الوزراء. ويأتي ذلك في ظل موقف حازم من «حزب الله»، الذي يرفض أي شكل من أشكال التنسيق مع الحكومة أو المؤسسة العسكرية في سبيل تنفيذ هذا التوجّه.
بالتوازي، كان رئيس الجمهورية قد أشار سابقًا إلى أنّ تمكين الجيش من أداء دوره يتطلّب رصد تمويل سنوي يقارب المليار دولار على مدى عقد كامل، علمًا أنّه كلّف الأسبوع الماضي قادة الأجهزة الأمنية بإعداد تقارير تفصيلية حول احتياجاتهم العملانية واللوجستية، تمهيدًا لرفعها إلى الجهات المشاركة في مؤتمر باريس المرتقب.
وفي ضوء هذه المعطيات، يتبيّن أنّ دعم الجيش اللبناني لم يعد مسألة تقنية أو لوجستية فحسب، بل يندرج ضمن خيار سياسي دولي واضح المعالم، قوامه إسناد المؤسسة العسكرية بمهمة محدّدة تتقدّم على سواها، وهي معالجة ملف سلاح «حزب الله». وقد بات هذا التوجّه معلومًا لدى كلّ من قيادة الجيش والحكومة، بحيث إن أي رزمة مساعدات مرتقبة ستُبنى أساسًا على هذا العنوان المركزي.
وعلى هذا الأساس، تُعاد صياغة أولويات التسليح انطلاقًا من واقعٍ جديد، مفاده أنّ مواجهة التنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها «داعش»، لم تعد في صدارة المهام، من دون إسقاطها بالكامل، ولا سيما أنّ هذا الملف بات مرتبطًا بالوضع السوري في المرحلة الحالية. وعليه، يتركّز الدعم العسكري المرتقب على تعزيز قدرات الجيش في ضبط الحدود، حفظ الاستقرار الداخلي، وتنفيذ مهمة سحب السلاح غير الشرعي، التي تُعدّ بدورها قرارًا سياسيًا قبل أن تكون إجراءً أمنيًا.
إذًا، لم يعد ملف حصرية السلاح مجرّد عنوان سياسي قابل للاستهلاك الإعلامي، بل تحوّل إلى معيار فعلي يُقاس عليه مستقبل العلاقة بين لبنان والمجتمع الدولي.
فالدعم المرتقب، وخصوصًا للمؤسسة العسكرية، بات مشروطًا بخيارات واضحة وإجراءات قابلة للتنفيذ، لا بخطابات أو تعهّدات عامة. وبينما تتراكم الاستحقاقات وتضيق هوامش المناورة، يثبت أنّ استعادة الدولة لدورها لم تعد مسألة توازنات داخلية، بل قرارًا سياديًا تُحدَّد على أساسه وجهة البلاد وموقعها في المرحلة المقبلة.





