سياسةمقالات وتقارير

“بين الأرض والسلاح والروح.. معادلة قاسم الجديدة في زمن التهديدات والتفاوض”

حصاد الاسبوع السياسي، بقلم “جوني خلف” :


في ظل تصاعد التوتر الإقليمي، كشف وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي لقناة الجزيرة نهار الجمعة الفائت، أن لبنان تلقى تحذيرات جدية من جهات عربية ودولية تُفيد بأن إسرائيل تستعد لتوجيه ضربة عسكرية كبيرة واعتداءات مكثفة على الأراضي اللبنانية. وأشار إلى أن الدولة اللبنانية تُكثّف حراكها الدبلوماسي لتجنيب مؤسسات الدولة ومرافقها أي استهداف مباشر، في محاولة لفصل الدولة عن أي تصعيد مرتقب.

وفي موازاة التحذيرات، برز موقف لرئيس الجمهورية العماد جوزاف عون خلال لقائه وفدًا من جمعية “إعلام من أجل الحرية”، أوّل من امس، حيث أضاء على المعادلة العسكرية بالقول إن أي جيش عندما يستنفد خياراته القتالية دون تحقيق نتائج، ينتقل إلى التفاوض. وسأل الرئيس بوضوح: “هل لبنان قادر على تحمّل حرب جديدة؟ وأين الخيارات في مواجهة عدو يحتل أرضنا، ويهاجمنا يوميًا، ويحتجز من أبنائنا أسرى؟”

وفي سياقٍ متصل، وبحسب مصادر مطّلعة على مسار لقاءات الموفد الفرنسي جان إيف لودريان مع القيادات اللبنانية في الاسبوع المنصرف، فإن الأخير طرح توسيع صلاحيات “لجنة الميكانيزم”، في محاولة لاحتواء التصعيد. إلا أن اللافت، وفق المصادر، كان نبرة لودريان المتشددة حيال ضرورة نزع سلاح “حزب الله”، مشيراً إلى أن فرنسا تبدي قلقاً بالغاً من احتمال اندلاع تصعيد عسكري إسرائيلي واسع، ما يدفع باريس إلى الضغط نحو تسوية سياسية تُجنّب لبنان الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

وفيما كان السفير الأميركي في بيروت، ميشال عيسى، قد صرّح بعد لقائه رئيس مجلس النواب نبيه بري في عين التينة، بأن انطلاق المفاوضات المدنية بين لبنان وإسرائيل لا يعني بالضرورة وقف الهجمات الإسرائيلية، باعتبار أن الإسرائيليين يفصلون تماماً بين المسار السياسي ومسار الحرب مع “حزب الله”، كانت الوقائع على الجانب الإسرائيلي تكشف مزيداً من التواطؤ الأميركي الإسرائيلي في إدارة التصعيد وتوظيفه. فقد أفادت القناة 12 الإسرائيلية أمس، أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو طلب تأجيل مثوله أمام المحكمة يوم الإثنين، بحجة عقد اجتماع مع المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم برّاك، لبحث سبل منع التصعيد مع “حزب الله” والتفاهم مع سوريا. غير أن هذا “الاجتماع الطارئ” بدا، بحسب المتابعين، ذريعة جديدة لنتنياهو بغطاء اميريكي، للفرار من المحاكمة، تماماً كما كان يجري سابقاً، ناهيك عن طلب الرئيس الأميركي دونالد ترامب منذ اسبوعين تقريبًا، من الرئيس الإسرائيلي العفو عن نتنياهو، في خطوة لتوفير الحماية السياسية والقضائية له.

رغم كل ذلك، أطلّ علينا أمس الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، حاملاً خطاباً تصعيدياً جديداً، حيث انتقل من معادلة “الجيش والشعب والمقاومة” إلى ثلاثية جديدة: “أرض، سلاح، روح”. وأعلن بشكل قاطع وحاسم، أن الحزب لن ينزع سلاحه “ولو اجتمعت الدنيا كلها بحربها على لبنان”. كما انتقد الشيخ قاسم نظرية حصرية السلاح بيد الدولة، والتي كان قد طرحها رئيسَي الجمهورية والحكومة، واصفاً إيّاها بأنها مطلب إسرائيلي – أميركي بامتياز. هذه المواقف تُظهر بوضوح أن الحزب لا ينوي الدخول في أي تسوية تمسّ جوهر سلاحه أو موقعه الاستراتيجي، مهما اشتدّ الضغط السياسي أو تصاعدت التحذيرات الدولية.

خطاب الشيخ نعيم قاسم بنبرته التصعيدية، جاء في توقيت دقيق، أعقب تصريحاً لافتاً للرئيس الأميركي دونالد ترامب ألمح فيه إلى احتمال توجيه ضربة جديدة لإيران، إذا ما استمرت برفض التوصل إلى اتفاق مع واشنطن. في هذا السياق، بدت مواقف قاسم وكأنها جزء من لعبة الرسائل الإقليمية، حيث يُستخدم لبنان كورقة ضغط إيرانية في مواجهة واشنطن، عبر تمسك الحزب بسلاحه ورفضه لأي نقاش داخلي حول نزع هذا السلاح، في لحظة توتر إقليمي حاد قد تُترجم مفاعيله على الساحة اللبنانية. واللاقت بذلك حينما صرّح الشيخ نعيم قاسم بخطابه، أن “غياب التوازن العسكري بين المقاومة والعدو أمر طبيعي ومتوقّع” ، ما يطرح تساؤلاً بديهياً: إذا كان هذا الاختلال في موازين القوى معروفاً سلفاً، فلماذا تمّ خوض مغامرات عسكرية كلفت البلاد أثماناً باهظة؟ وكرمةً لمن؟

هذه اللعبة التي اصبحت شبه مكشوفة،  توحي بأن “الحزب” ما يزال يُستعمل لبنان كورقة ضغط في بازار التفاوض الأميركي ـ الإيراني، وأن استغلال الحرب والتصعيد لم يعد موجّهاً فقط نحو “حزب الله”، بل قد يطال الداخل اللبناني بمجمله. ومع هذا المشهد، تبقى الكلفة الأثقل يدفعها الشعب اللبناني، العالق بين قذائف الخارج وتخاذل الداخل، اذ اصبح واضحًا أن لبنان يقف عند مفترق طرق خطير، حيث تتقاطع الضغوط الدولية مع الحسابات الداخلية، وتُستخدم أرضه كورقة في لعبة أمم كبرى. وبين خطاب السلاح وخطاب الدولة، يبقى السؤال: “إلى متى سيبقى شيعة لبنان خاصةً واللبنانيين عامة يدفعون اثمان حروب غيرهم على أرض وطنهم؟”  في انتظار لحظة توازن نادرة ونادرة جدًا، قد تعيد للدولة قرارها وللسيادة معناها.

ميدانيًا, استهدفت مسيّرة إسرائيلية صباحًا جرافة في بلدة شبعا جنوبي لبنان، اضافةً الى تمشيط بالأسلحة الرشاشة من مركز رمتا في تلال كفرشوبا باتجاه مزرعة بسطرة

جوني خلف ـ رئاسة التحرير

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى