سياسةمقالات وتقارير

السلاح والغاز والحساب المؤجّل: لبنان في مرمى الابتزاز الإسرائيلي

كتبَ جوني خلف:


خلال استقباله وفد مجلس الأمن الدولي برئاسة مندوب سلوفينيا السفير صامويل زبوغار، أكّد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أن لبنان اختار طريق التفاوض، حيث كُلّف سفير سابق برئاسة الوفد اللبناني. وأوضح عون أن هذا الخيار هدفه تجنيب لبنان جولة جديدة من العنف، لأن الحروب لا تؤدي إلى نتائج إيجابية، وأن التفاوض هو السبيل الوحيد لتوفير مناخات الاستقرار والأمان، وإيجاد حلول للمسائل العالقة، ولتخفيف المعاناة عن المواطنين. كما شدّد على أن ما يقوم به لبنان في لجنة «الميكانيزم» ليس لإرضاء المجتمع الدولي، بل لمصلحة لبنان، مؤكداً أن القرار اتُخذ ولا مجال للعودة عنه.

في المقابل، حذّر الرئيس نبيه بري أمام وفد مجلس الامن، من التفاوض تحت النار، معتبراً ذلك أمراً غير مقبول، ومشددًا على أن استمرار العدوان الإسرائيلي يُجدّد الحرب ويطيل أمدها.

وعند التساؤل عن معنى التفاوض في هذا الظرف، نجد أنه يسعى لتجنّب لبنان دماراً كبيرًا لا يقلّ فرقًا عمّا حصل في غزة، وحماية حزب الله والمناطق التي تُعدّ معقلًا له وللبيئة الحاضنة، من حرب ليست في استطاعته خوضها، بالإضافة إلى مسايرة خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي يدّعي صنع السلام.

لكن الحقيقة أن إسرائيل ليست راغبة في تفاوض ينهي العدوان، بل تفرض مفاوضات مشتعلة بالنار تسعى من خلالها لإخضاع لبنان لشروطها، وفرض المنطقة العازلة التي تطمح إليها، وهدفها الأساسي دفع الحكومة اللبنانية لنزع سلاح حزب الله، وكل هذا يختبئ خلفه الهدف الحقيقي المتمثل بالسيطرة والمشاركة في ثروات الغاز، وهو ما تم التطرق إليه في مقالة سابقة لنا.

وفي هذا الإطار، وما يثبّت ذلك، حينما أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأسبوع الماضي عن نيّته إرسال مبعوث للاجتماع مع مسؤولين لبنانيين، في محاولة أولية لوضع أسس علاقة وتعاون اقتصادي بين الطرفين، وفق ما نقلت «سكاي نيوز عربية».

أما حزب الله، الذي سبق وتفاوض على حقل كاريتش، تريّث و قرر عدم رفض التفاوض أو الانسحاب من الحكومة، بل انتظر يومين بعد الأربعاء الفائت، ليقيس توجه الأمور، وعمّا اذا كان العدو سيوقف من خروقاته للقرار الأممي ١٧٠١, خاصة بعد إدخال السفير سيمون كرم كشخصية مدنية في لجنة «الميكانيزم». غير أن إسرائيل فرّقت بين الدبلوماسية والتصعيد العسكري، واستمرت في استهداف حزب الله، ليعود الشيخ نعيم قاسم يوم الجمعة الفائت ليُطلق موقفًا لافتًا، واصفًا إرسال مندوب مدني إلى لجنة مراقبة وقف إطلاق النار بـ”السقطة الإضافية”، داعيًا الحكومة إلى إعادة النظر في قرارها. وأضاف: “لقد قدّمتم تنازلًا مجانيًا، لن يبدّل شيئًا في موقف العدو، ولا في عدوانه، ولا في استمرار احتلاله”. مما يُظهر أن الحزب سيكتفي بالموقف السياسي، أقلّه في الوقت الحالي، بينما يزداد الضغط الأمريكي على المسار التفاوضي رغم محاولات الحزب لإجهاضه. ومع قرب انتهاء المهلة المحددة لنزع السلاح، يبدو أن الأمور تتجه حتمًا نحو حرب في العام المقبل، في حين يظل حزب الله متمسكاً بسلاحه، وتصر إسرائيل على نزع هذا السلاح.

إذًا، أصبح التفاوض مشروعًا ومفروضًا على لبنان تحت وطأة الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة، رغم ذلك يبقى التفاوض الوسيلة الوحيدة لاستعادة السيادة وتسليم الأسرى المحتجزين لدى العدو.

في خضمّ نارٍ تُشعل الحدود وديبلوماسيةٍ تسابق الزمن، يبدو أن لبنان يقف أمام لحظة مصيريّة. فالتفاوض اليوم ليس ترفًا بل فرضٌ بالنار، والمواقف الرمادية لن تحجب شمس الصراع الآتي. وحدها الإرادة الوطنيّة قادرة على تحويل الضغط إلى فرصة، والرهانات إلى خيارات تحفظ الكرامة والسيادة قبل أن تُفرَضَ علينا تسويات بحبر الضعف وخرائط الغالب.


جوني خلف ـ رئاسة التحرير

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى