البابا لاوون في بيروت… لحظة سلامٍ وهدوء على وقع عاصفة قادمة!

كتبَ جوني خلف
في لحظة مفصلية من تاريخ الشرق الأوسط، تهبط طائرة البابا لاوون الرابع عشر في بيروت اليوم الأحد، قادمًا من تركيا، حاملًا رسالة سلام في وجه عواصف التوتّر. زيارة تستمر حتى الثلاثاء المقبل، لتضخّ في شرايين اللبنانيين بعض الأمل في ظل واقع يضيق بأثقال الحروب والنزاعات.
الزيارة قد تُشكّل كابحًا موقتًا للتصعيد الإسرائيلي، إذ تُقرأ في الكواليس السياسية والعسكرية كمحاولة لمنح المساعي الدبلوماسية فرصة تثبيت وقف إطلاق نار هشّ، خصوصًا مع اقتراب الأسبوع المقبل الذي سيشهد زخمًا في الحركة الدولية على خط لبنان، حيث يُنتظر أن يصل وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني إلى بيروت يوم الأربعاء، حيث سيلتقي الرؤساء الثلاثة، في حين تحطّ الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس في تل أبيب هذا الثلاثاء، قبل انتقالها إلى بيروت للمشاركة في اجتماع لجنة “الميكانيزم”، بما يشير إلى تنسيق دولي وعربي متسارع.
قبيل هذه التطورات، ألمحت إسرائيل إلى تعديل في “نشاطها” العسكري، مراعاةً لزيارة البابا، لكنها أبلغت واشنطن نيتها استهداف “مناطق جديدة” في لبنان في حال لم يُحسم ملف سلاح حزب الله. وتُصرّ على وضع مهلة واضحة أمام الحكومة اللبنانية، في ما يشبه إنذارًا نهائيًا تحت غطاء الدبلوماسية.
وفي هذا السياق، أكد السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى في حديث لصحيفة “هآرتس”، أن “إسرائيل ليست بحاجة لإذن واشنطن للدفاع عن نفسها”، مضيفًا أن “واشنطن على تواصل دائم مع الحكومة اللبنانية وتحثّها على نزع سلاح حزب الله”، معتبرًا أن “تفكيك التنظيمات المسلحة خطوة أساسية لضمان السلام”. وأضاف: “نحن ملتزمون تنفيذ الاتفاق في لبنان لأنه ضروري لإعادة سلطة الدولة وتأمين مستقبلها”.
لكن في المقابل، جاء الرد الإيراني من خلال سفير ايران في بيروت مجتبى أماني، الذي وصف اغتيال طبطبائي في الضاحية الجنوبية بأنه تجاوز إسرائيلي خطير لسقف الاشتباك، مؤكداً أن طريقة الاغتيال ستُحدث تحوّلاً استراتيجيًا داخل الحزب. أما نائب الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم، فأعلن أن “الرد آتٍ لا محالة”.
عملية الاغتيال لم تكن مجرّد ضربة أمنية، بل عملية مركّبة ذات رسائل متعددة. فإسرائيل، عبر اغتيال طبطبائي، ضربت عرض الحائط بتوازن الردع، ووجّهت رسالة واضحة برفض وجود مركز ثقل عسكري كـ”رئيس أركان” لحزب الله، ما يعني تفكيكًا للبنية القيادية. في المقابل، وُضع الحزب أمام خيارين: الرد العسكري، وهو ما يمنح نتنياهو الذريعة لشنّ عملية واسعة قد تشمل الجنوب والبقاع والضاحية، أو الامتناع عن الرد، بما يفاقم الحرج أمام بيئته الحاضنة ويؤكّد اختراقات خطيرة في صفوفه.
وفي المشهد الإقليمي الأوسع، تتردّد معلومات في أروقة القرار، تشير إلى تحضير تركي حثيث لإطلاق “مقاومة جامعة” تنشط في غزة وسوريا ولبنان، عقب زيارة وفد من قيادة “المقاومة” في لبنان إلى أنقرة. ويتزامن هذا مع توجه وزير الخارجية التركي هاكان فيدان اليوم إلى إيران، في زيارة رسمية يُفهم منها أنها جزء من ترتيبات جارية لرسم مشهد إقليمي جديد، قد يُعيد خلط الأوراق في المنطقة.
بين رسائل البابا الداعية للسلام، والرسائل النارية التي تتقاذفها الأطراف الإقليمية والدولية، يبدو لبنان واقفًا مجددًا على حافة الاحتمالات المفتوحة. فالحراك الدبلوماسي يتكثّف، لكن النوايا المعلنة لا تُخفي حسابات الميدان. وما بين ضغوط نزع السلاح، وفخاخ الاستدراج، وخيارات الردّ أو الصمت، يبقى الثابت الوحيد أن لبنان يُدفع إلى مفترق حاد، حيث أيّ خطوة ناقصة قد تعني الانزلاق إلى مواجهة كبرى، أو فرصة “نادرة” للعودة إلى كنف الدولة.





