لبنان في عين العاصفة.. رسائل الخارج تتكثّف والخيارات تضيق

كتبَ جوني خلف:
مع تصاعد الضربات والاستهدافات الإسرائيلية جنوبًا وبقاعًا والتي كان من سلسلتها ليل امس، غارة استهدفت منطقة كفرمان في النبطية، حيث استشهد 4 اشخاص و إصابة 3 اخرين، يتأهب لبنان لعبور مفترق حاسم يتطلب اتخاذ قرارات استراتيجية مدروسة، في وقت تتزايد الضغوط الدولية والإقليمية لإيجاد مخرج دبلوماسي يُنهي فيه الأزمة اللبنانية الاسرائيلية.
هذه الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على جنوب لبنان والبقاع، يبدو انها تشكل وسيلة ضغط إضافية تمارسها تل أبيب لإجبار لبنان على التفاوض، والإسراع في حصر السلاح بيد الدولة على كامل أراضيها، إلى جانب دفع حزب الله للتحول إلى العمل السياسي.
في هذا السياق، يتريّث حزب الله في إعلان أي موقف تصعيدي ميداني، مفضّلاً ترك المسار العسكري في حالة جمود نسبي والتزامه بالقرار 1701، “أقلّه كما هو في الظاهر” ، مقابل تصعيد سياسي مدروس يواكب تطورات المرحلة. في المقابل، وبحسب التصريحات، يستعدّ جيش العدو الإسرائيلي لسيناريوهات متقدمة تشمل توسيع دائرة الاستهدافات في لبنان، وفي تصريحٍ وقح، قال وزير الدفاع الإسرائيلي امس: “لن نوقف الهجمات بلبنان ولن نخرج من الحزام الأمني وحققنا هدوءًا بالجليل لم نره في 20 سنة“
تصريح “كاتس” أتى بعد كلمة مرتفعة النبرة، ألقاها المبعوث الأميركي توم باراك أمام منتدى حوار المنامة، حيث وصف لبنان بـ”الدولة الفاشلة”، مشيرًا إلى النقص الحاد في الموارد المالية والبشرية التي يعاني منها الجيش اللبناني. واوضحَ باراك أن إسرائيل مستعدة للتوصل إلى اتفاق حول الحدود مع لبنان، داعيًا اللبنانيين للانخراط سريعًا في المفاوضات حفاظًا على سيادتهم.
وشدد باراك على ضرورة إجراء حوار مباشر بين لبنان وإسرائيل، موضحًا أن استمرار وجود سلاح حزب الله، والذي يشمل آلاف الصواريخ في الجنوب بحسب زعمه، يشكل تهديدًا يوميًا لإسرائيل، ومؤكدًا أن الوقت يداهم لبنان لاتخاذ خطوات حاسمة في ملف حصر السلاح.
على الصعيد نفسه، حرصت الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس خلال زيارتها بيروت، على توجيه رسالة واضحة للبنان، طالبت فيها بحصر السلاح ليس فقط في جنوب الليطاني بل على كامل الأراضي اللبنانية، مع تأكيد استمرار الجيش اللبناني في تنفيذ خطته الأمنية حتى نهاية العام.
الى ذلك، وبحسب المعلومات، يتّجه حزب الله إلى التريث في إعلان موقفه العلني من ملف التفاوض مع إسرائيل، مفضّلاً إبقاء هذا المسار بعهدة الرئيس نبيه بري، في خطوة تعكس حرص الحزب على إدارة هذا الملف عبر القنوات الدستورية والسياسية التقليدية، وتفادي أي تصعيد أو التباس في التوقيت الحرج الراهن.
ففي ظلّ تصاعد التحديات وتشابك الضغوط، يُدرك الرؤساء الثلاث حجم المنعطف التاريخي الذي يمرّ به لبنان الذي بات قاب قوسين من مرحلة دقيقة ومصيرية، تستدعي تماسكًا في الرؤية وتوحيدًا في القرار، وصياغة مواقف وطنية حاسمة تحفظ ما تبقى من توازن الداخل واستقرار المشهدين السياسي والأمني، في وقت يسعى رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى استثمار الدبلوماسية وشراء الوقت لتجنب الانزلاق نحو المزيد من التوتر.
وعلى هامش مشاركته في افتتاح المتحف المصري الكبير في القاهرة، شدّد رئيس الحكومة نواف سلام على أنّ لبنان يعمل بجهد لاقتناص فرصة التهدئة في غزة، وما انبثق عن قمة شرم الشيخ من مناخات دولية داعمة، للانتقال إلى مرحلة تثبيت وقف العمليات العدائية وترسيخ الاستقرار في الجنوب وسائر الأراضي اللبنانية. وأكّد سلام التزام الحكومة الكامل بالمضي قدمًا في تنفيذ خطة حصر السلاح بيد الدولة، كمدخلٍ أساسٍ لبناء الثقة وإعادة الانتظام الوطني.
وفي سياقٍ متقاطع مع المستجدات الأمنية والسياسية، تتداول أوساط مطّلعة معلومات عن زيارة يجري التحضير لها لرئيس مجلس النواب نبيه بري إلى الجنوب، يُرتقب أن تحمل طابعًا تفقديًا بعد الدمار الواسع الذي خلّفته الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة، في خطوة تُقرأ على أنها محاولة لإطلاق عجلة إعادة الإعمار وفتح ملفٍّ لطالما اعتُبر أولوية ملحّة على المستوى الوطني.
إذًا، يبقى المسار الدبلوماسي والسياسي الخيار الأوحد والواقعي أمام لبنان، لتفادي الانزلاق نحو مزيد من التصعيد، واستثمار الدعم العربي والدولي من أجل تثبيت الاستقرار وإعادة توجيه البوصلة نحو الحلول الجذرية. أفَيُدرك لبنان هذه اللحظة المفصلية ويغتنم ما تبقّى من فسحة الرجاء، أم يدَعها تنزلق من بين أنامله، وربّما تتدحرج بذلك البلاد نحو مصيرٍ عسير، تُغلَق فيه نوافذ النجاة وتُفتَح أبواب المجهول؟!





