غارات المصيلح بعد تهدئة غزة… رسائل بالنار فوق ركام الدبلوماسية

كتَب جوني خلف:
بين ثنايا التوتر المتصاعد في المنطقة، يبدو أنّ العدو الإسرائيل يختار الاستمرار في سياسة الضغط على لبنان رغم توقيع اتفاق وقف الأعمال العدائية في تشرين الثاني الماضي، وتنفيذ خطة الجيش لتوحيد السلاح، لم يمنع العدو من إعادة إشعال التوتر، خاصة مع استمرار منع سكان الجنوب من العودة إلى حياتهم الطبيعية.
مع دخول التهدئة في غزة حيّز التنفيذ، وتزامنها مع جهود دبلوماسية تهدف إلى توسيع نطاق الحلول في الشرق الأوسط، وقُبَيْلَ أن يُلقي رئيس الولايات المتحدة الأميركية، دونالد ترامب، كلمة أمام الكنيست الإسرائيلي يوم الإثنين، قبل أن يتوجه بعدها إلى شرم الشيخ لاستضافة قمة دولية بارزة بعنوان “قمة شرم الشيخ للسلام”. التي تُعقَد برئاسة مشتركة بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس الأميركي دونالد ترامب، ويشارك فيها زعماء أكثر من عشرين دولة، بهدف وضع حد للصراع، وفتح آفاق جديدة لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، اختارت إسرائيل أن تعيد تصعيدها فجر أمس السبت في المناطق اللبنانية، مستهدفة معارض ومعدات ثقيلة في منطقة المصيلح، في رسالة واضحة بأن التهدئة على جبهات أخرى لا تعني الاسترخاء هنا
مصادر دبلوماسية اعتبرت هذا التصعيد خطوة مدروسة تضغط على لبنان من اتجاهين: أولًا، لمنع أي مشروع إعادة إعمار يمكن أن يعيد الحياة إلى الجنوب اللبناني، وثانيًا، لتأكيد أن أي تحرك على المستوى الاقتصادي أو الأمني مرتبط بتوافق إسرائيلي مسبق.
في هذا الاطار، أكد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أن جنوب لبنان وقع مرة أخرى تحت نار العدوان الإسرائيلي السافر ضد منشآت مدنية، “بلا حجة ولا حتى ذريعة”. وأشار إلى خطورة العدوان الأخير لكونه جاء بعد اتفاق وقف الحرب في غزة وموافقة الطرف الفلسطيني على آلية احتواء السلاح وجعله خارج الخدمة. وتساءل عون عن احتمال “التعويض عن غزة في لبنان لضمان استدامة الاسترزاق السياسي بالنار والقتل”، وعن وجوب “إسناد لبنان بنموذج هدنة غزة بعد أن أجمع الأطراف كافة على تأييدها”. وأضاف أن “مسؤوليتنا عن شعب لبنان كله وأرضه كلها، تفرض علينا طرح هذه التحديات، لا مجرد التنديد الواجب بعدوان سافر”.
بدوره، تابع رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، باهتمام كبير تداعيات الغارة الإسرائيلية التي استهدفت منشآت تجارية ومدنية في منطقة المصيلح، وقد تواصل مع عدد من الوزراء، منهم محمد حيدر، فايز رسامني، ياسين جابر، وأحمد الحجار، للاطلاع على المستجدات.
كما أجرى اتصالًا برئيس مجلس الجنوب هاشم حيدر ليحصل على تقرير مفصل حول عمليات تقييم الأضرار، وطلب من رئيس الهيئة العليا للإغاثة، العميد بسام النابلسي، تقديم الدعم الكامل للمتضررين.
من جهته، رأى حزب الله، ان ذلك يستدعي من اللبنانيين جميعًا تضامنًا وطنيًا ومن الدولة موقفا حازمًا يرتقي إلى مستوى التحديات والتهديدات القائمة، ويتطلب حركة دبلوماسية وسياسية مكثّفة، ورفع الصوت عاليًا في كل المحافل العربية والدولية، والتقدم بشكوى عاجلة إلى مجلس الأمن للضغط على العدو الإسرائيلي لوقف اعتداءاته وانتهاكاته.
واعتبرت الخارجية اللبنانية، ان هذا الاعتداء يشكّل خرقًا فاضحًا جديدًا للقرار الدولي رقم 1701، وللاتفاق المتعلق بوقف الأعمال العدائية الذي ما زالت إسرائيل تمتنع عن الالتزام به.
وتوالت المواقف التي استنكرت الاعتداء الإسرائيلي على المصيلح، حيث أجرى النائب السابق وليد جنبلاط وشيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز الشيخ سامي أبي المنى اتصالًا تضامنيًا بالرئيس نبيه بري، الى ذلك، حضرت نائب القوات غادة ايوب الى مكان الاستهداف متضامنة
وكما يَعلم الجميع، والجنوبيين خاصةً، أن معرض الآليات الثقيلة في المصيلح، هو مصدر رزق مدني لأحد ابناء المدينة وموجود منذ سنوات عديدة، حيث يتعامل معه الكثيرون ممن يعملون في إطار المقاولات من كافة المناطق اللبنانية، زعم المتحدث بإسم جيش العدو الاسرائيلي افيخاي ادرعي، عبر منصة “أكس”، إلى أنه في الآونة الأخيرة رصد الجيش الإسرائيلي في بعض مناطق الجنوب اللبناني معدات هندسية استخدمها عناصر حزب الله بهدف إعادة ترميم البنى التحتية العسكرية التي أقامها في المناطق المدنية لقرى الحدود.
وأضاف: لا تقتصر هذه الأعمال على إصلاح المنازل كما يدّعي حزب الله، بل تُعد أداة رئيسية لإعادة تأهيل المنظومة التابعة لحزب الله. ونواصل جهودنا لرصد معدات هندسية تُستخدم في إعادة بناء المواقع العسكرية التي سبق استهدافها، انطلاقًا من التزامنا بحماية دولة إسرائيل وسكانها، والحفاظ على الواقع الأمني وفق التفاهمات بين إسرائيل ولبنان.
وتابع “أي محاولة لإعادة إعمار البنى التحتية العسكرية ستقابل برد فوري وحازم حيث أصبح وجود الجرافات في المنطقة مؤشرًا واضحًا على محاولات إقامة بنى جديدة باستخدام المعدات الهندسية بشكل مخالف للتفاهمات”.
ولم تمضِ ساعات على الاستنكارات المتوالية على هذه الجريمة، من كافة الافرقاء اللبنانيين، خصوم وحلفاء، والتي وصفها وزير الأشغال فايز رسماني بالمجزرة, وإذ بالعدو الاسرائيلي، يعود ليستهدف بغارة من مسيّرة، سيارة في بلدة القلاوي قضاء بنت جبيل اسفرت عن ارتقاء شهيد، ومن ثمّ ألقت محلّقة إسرائيلية قنبلتين على جرافة في بلدة بليدا الجنوبية!
إذًا، إنّ العدو الاسرائيلي، يُعيق ويضرب بعرض الحائط كافة محاولات الدولة اللبنانية لتطبيق القرارات الدولية وحصرية السلاح، مما يطرح علامة استفهام كبيرة حول نوايا هذا العدو وغطرسته، ومن خلفه واشنطن التي لا تزال صامتة عن هذه الخروقات الاسرائيلية اليومية، وكأنّ لا دور للجنة المراقبة “ميكانيزم” سِوى الشكليات، والتي من المفترض وإن كان فعلًا هناك أي تحرّك حزبي رصده العدو بحسب ما يزعم، عليه ان يُبلِغ لجنة المراقبة وبدورها تُبلغ الجيش اللبناني وحينها يقوم الجيش بواجبه، لا ان ياتي العدو ويرتكب جرائم ومجازر، وترهيب، وكأن لا دولة إسمها لبنان، ولا سيادة ولا قرارات دولية!
الأنظار تتجه الى شرم الشيخ، هل يلجم ترامب إسرائيل عن الخروقات والانتهاكات في لبنان، أم انه سيَكتفي بعراضات ما وصلَ اليه من اتفاق بين حماس و اسرائيل في غزة، ويترك الامور في لبنان كما هي عليه، خاصة وان هناك كلام عن منطقة اقتصادية على طول الخط الحدودي اللبناني – الفلسطيني المحتل، مما يعني تغيير خريطة الجنوب واحتلال جديد تحت عنوان المنطقة الترامبية؟! إن غدًا لناظره قريب، وما بعد شرم الشيخ ليس كما بعده.





