لبنان بين المطرقة الأميركية وسلاح حـ ـزب الـ ـله.. هل تنكسر المعادلة؟

كتبَ جوني خلف
منذ لحظة أدائه خطاب القسم، أعلن الرئيس اللبناني العماد جوزاف عون انطلاق عهد جديد عنوانه “حصرية السلاح بيد الدولة”، وهو موقف حمل إشارات مباشرة إلى واقع السلاح غير الشرعي في البلاد، وعلى رأسه سلاح حزب الله. لكن بين الإرادة السياسية والواقع المعقّد، يقف لبنان اليوم على مفترق طرق حاسم، وسط ضغط أميركي غير مسبوق وتحذيرات دولية بدأت تتجاوز اللغة الدبلوماسية.
المبعوث الأميركي الخاص توم براك، وخلال زيارته إلى بيروت في يونيو 2025، قدّم ورقة عمل وُصفت بأنها الأكثر حساسية منذ اتفاق الطائف. وكما اصبح معلومًا، تضمنت الورقة ثلاثة عناصر مترابطة: حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، انسحاب إسرائيل من النقاط الخمس التي لا تزال تحتلها جنوبًا، وإطلاق مشروع وطني واسع لإعادة الإعمار. براك، الذي تحدث بصراحة غير معتادة، قال: “نزع سلاح حزب الله هو شأن لبناني… لكن لا أحد سيبقى يفاوض إلى الأبد”، محذرًا من أن “لبنان يقترب من لحظة حاسمة، إما أن يكون دولة، أو مجرد مساحة شاغرة في صراعات الآخرين”.
لكن حزب الله لم يتأخر في الرد حينها، إذ اعتبر أن الورقة الأميركية “استسلامية وتفتقر إلى أي ضمانات حقيقية في مواجهة الخطر الإسرائيلي”، متسائلًا عن الضمانات التي ستقدَّم في حال نزعت المقاومة سلاحها، فيما إسرائيل تواصل خروقاتها اليومية لسيادة لبنان. في المقابل، شدد براك على أن الوقت لم يعد في صالح أحد: “السياسيون اللبنانيون ما زالوا يلعبون طاولة الزهر، بينما العالم يتعامل معهم بشطرنج”، في توصيف يعكس الهوة بين الداخل والخارج.
الأخطر، ربما، في حديث براك، كان التحذير الواضح من زوال لبنان كما نعرفه، قائلاً إن البلاد قد تصبح جزءًا من “بلاد الشام الموسّعة” إذا استمر حزب الله في فرض توازن ردع خارج الدولة، وإن غياب القرار السيادي قد يؤدي إلى نهاية الكيان اللبناني بالشكل الذي تأسس عليه.
في هذا السياق، ازدادت الأصوات اللبنانية المطالبة بحصر السلاح بيد الدولة، رغم استمرار الاحتلال الإسرائيلي.
وكان الزعيم اللبناني وليد جنبلاط قد دعا في آخر مؤتمر صحفي له، إلى حصر السلاح بيد الدولة، وتوريث الأجيال المقبلة “ذاكرة البطولات في مواجهة إسرائيل وعملائها”، مشيرًا الى ان “السلاح يجب أن يكون بيد الدولة وحدها، وإذا كان هناك من أحزاب لبنانية أو غير لبنانية تمتلك السلاح فيجب أن تسلمه بالطريقة المناسبة للدولة”.
فحين يشدّد الزعيم الدرزي على حصرية السلاح، يكون قد إلتقط الاشارة بشكل واضح وجدّي وصارم “Émetteurs-récepteurs” وهو يعلم انّ الرئيس ترامب حينما ياخذ القرار، لا يلتفت خلفه.
الى ذلك، راى رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع في حديث لبرنامج صار الوقت عبر شاشة MTv الخميس الفائت، أنه اذا ما استمررنا على هذه الحال سنشهد “تخلّيًا أميركيًا عنا”، والمبعوث الأميركي توم برّاك قال هذا الكلام في العلن وشدّد على أن الأمر بين أيدي اللبنانيين.
وكان المكتب السّياسي لـ”حزب الكتائب اللبنانية”، قد أكّد دعمه “لكل خطوة حازمة وسريعة تقوم بها الدولة اللبنانية، في إطار تنفيذ خطاب القسم والبيان الوزاري واتفاق الطائف، والاتفاقات الدّوليّة الّتي وقّعها لبنان ووافق عليها بخصوص سحب السّلاح غير الشّرعي”، مشدّدًا على أنّ “هذا الموقف ينبع من موجبات احترام الدّستور، وبناء دولة القانون والمؤسّسات وتأمين المساواة بين اللّبنانيّين”.
ودعا المجتمع الدّولي إلى “مساعدة لبنان في رفع التدخّلات الإقليميّة المعرقلة لهذه الجهود الرّامية إلى استعادة الدّولة قراراتها السّياديّة”، داعيًا أيضًا الحكومة إلى “الاجتماع فورًا واتخاذ قرار واضح وصريح، ووضع جدول زمني لسحب السّلاح، وحصره في يد الجيش اللبناني والقوى الأمنية الشّرعيّة، ليُصار إلى التصرّف به بما تقتضيه المصلحة الوطنيّة العليا”.
في السياق نفسه، كان الحليف الاوّل لحزب الله، رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل قال في حديث إلى برنامج جدل في السابع والعشرين من حزيران الماضي، عبر قناة الـLBCI، إن إيران استطاعت الدفاع عن نفسها من دون أن تستخدم حزب الله، ما يعني أن سلاح الحزب لا يستطيع أن يردع إسرائيل، لا على المستوى الداخلي ولا على المستوى الإقليمي، وبالتالي مهمة الدفاع يجب أن تصبح في يد الدولة اللبنانية، واضاف باسيل: أدعو حزب الله إلى الانخراط في مشروع بناء الدولة وتسليم سلاحه إلى الدولة اللبنانية.”
المحوَر سقط، خطوط الإمدادات أُقفلَت الى غير رجعة، إيران الى التفاوض مجدًدًا مع الأميركي، الشرع الى التطبيع، الغرب يضغط على لبنان بـسياسة “العصا والجزرة”!
فالحزب اليوم كشمعةٍ، إمّا أن يفيدنا بنورها، أم يحرقنا بنارها، وفي نهاية المطاف، تذوب ونذوب معها !
في ظلّ هذه التحوّلات الكبرى، لا تزال الأسئلة اليوم من دون إجابات: هل تنجح الدولة اللبنانية في تثبيت قرارها السيادي؟ هل يذهب حزب الله إلى مراجعة استراتيجيته العسكرية كونه لا مفر له بعد كل ذلك سوى الإنخراط في الدولة ومؤسساتها؟ أم أن لبنان ذاهب إلى مزيد من التصعيد، فالتخلّي الغربي، وما بعده الزوال؟ الأكيد أن بلاد الأرز تكتب اليوم فصلًا جديدًا من تاريخها، عنوانه التحدّي بين القرار الوطني والسلاح الموازي ليبقى لبنان…





