سياسة

ورقة برّاك وسلاح حزب الله.. “رفض الفرض”! لبنان بين التوافق والانفجار

‎

كتبَ جوني خلف
‎
‎
‎
‎في ظل الضغوط الدولية المتزايدة، تواجه الدولة اللبنانية تحديًا كبيرًا يتمثّل في التعامل مع ورقة المبعوث الأميركي توماس برّاك، التي تقترح نزع سلاح “حزب الله” ضمن مهلة زمنية محددة. هذا الاقتراح يثير تساؤلات حول موقف الحزب، وردّه المحتمل، ومستقبل لبنان السياسي والأمني في حال رفض الحزب التسليم.
‎
‎ وكما هو معلوم، فإن ورقة برّاك، التي سُلّمت إلى المسؤولين اللبنانيين، تضمّنت مقترحات تنص على سحب سلاح “حزب الله” والفصائل المسلحة خلال فترة زمنية تنتهي نهاية الخريف، وفق آلية تنفيذية تفصيلية. في المقابل، تتعهد الولايات المتحدة بالضغط على إسرائيل للانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة، ووقف الاعتداءات، والمساهمة في إعادة الإعمار.
‎
‎”حزب الله” رفض المقترح الأميركي، واعتبره تهديدًا وجوديًا واستسلاميًّا، مشيرًا إلى أن سلاحه في شمال الليطاني شأن داخلي يُعالج عبر الحوار الوطني. وأكد الحزب تسليمه منطقة جنوب الليطاني للجيش اللبناني، وأن أي نقاش حول سلاحه يجب أن يتزامن مع انسحاب إسرائيلي فعلي ووقف للخروقات الجوية والبرية، بالإضافة إلى إطلاق سراح الأسرى.
‎
‎وكان بارزًا إطلاق الأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم عبر قناة “الميادين” موقفًا أكد فيه أنّ «الإسرائيلي والأميركي لن يحققا أهدافهما مهما كان الضغط، واضاف، إذا كان الإسرائيلي يعتقد ومن خلفه الأميركي أنّه بزيادة الضغط علينا سيُحقّقان أهدافهما، فلن يحقّقا الأهداف مهما كان الضغط. لدينا قرار بالمواجهة، وثمة خياران لا ثلاثة، نحن نرمّم أنفسنا، ونتعافى وجاهزون للمواجهة».
‎
‎في هذا السياق، أكد نائب الحزب إيهاب حمادة أنّ النقاش حول سلاح “المقاومة” ليس مطروحًا على الطاولة، ولن يكون، مشددًا على أنّ ما يُطرح في الداخل هو فقط “الاستراتيجية الدفاعية”، وهي شأن لبناني داخلي بامتياز، لا يحق لأي جهة خارجية، أن تتدخل فيه حتى تحت عنوان النصيحة، لافتًا إلى أن أي بحث في إستراتيجية دفاعية يجب أن يحظى بإجماع وطني لبناني كامل، لا أن يُفرض من الخارج أو يُناقش تحت الضغط
‎
‎
‎تقنية المصطلحات
‎
‎ حصرية السلاح (رؤية الدولة) – الاستراتيجية الدفاعية (طرح حزب الله)
‎
‎- لبنان الرسمي يقترح “حصريّة السلاح”, أي أن يكون السلاح الشرعي الوحيد في البلاد بيد الجيش اللبناني والقوى الأمنية فقط، وفقًا للدستور وقرارات الشرعية الدولية (مثل القرار 1701)، التي تهدف إلى بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها ومنع وجود أي سلاح خارج إطار المؤسسات الرسمية. اذ تُعتبر هذه الخطوات شرطًا دوليًا أساسيًا للحصول على الدعم الخارجي وتحقيق الاستقرار.
‎
‎
‎- أما طرح حزب الله (الاستراتجية الدفاعية)، ترتكز على مفهوم “الجيش والشعب والمقاومة” كمثلّث لحماية لبنان، وهذه التقنية كمصطلح، لا تعني تسليم السلاح بل تنظيم العلاقة بين الحزب والدولة “بحسب قناعته”، حول كيفية الدفاع عن لبنان، وأن سلاح “المقاومة” لا يتعارض مع الدولة بل هو مكمل لها، طالما أن التهديد الإسرائيلي قائم. حيث اصبح واضحًا رفض “الحزب” لفرض مهلة زمنية لنزع السلاح أو وضعه تحت سلطة مباشرة للجيش.
‎
‎وفيما لا تزال مسألة حصر السلاح محور خلاف واسع في لبنان، كانت تصريحات لافتة في هذا الشأن لرئيس الجمهورية العماد جوزاف عون خلال استقباله وزير الخارجية البريطاني دايفيد لامي. حيث جدّد تمسّكه ببقاء قوات “اليونيفيل”، والتزام لبنان بالقرار 1701 موضحًا أنّ   عديد الجيش في الجنوب سيصل الى 10 آلاف عسكري في  جنوب الليطاني، وجزم بأنه لن تكون هناك أي قوة مسلّحة في الجنوب غير الجيش اللبناني والقوى الأمنية اللبنانية، إضافة الى “اليونيفيل”.
‎
‎
‎وقبل ساعات من زيارة برّاك بيروت، غادر الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان لبنان. وكانت معلومات صحافية قد اشارت الى أنه ركّز في لقاءاته مع المسؤولين اللبنانيين على ضرورة إلتزام لبنان بالورقة الأميركية، وأن في حال عدم السير بها، قد يكون الآتي أسوأ.
‎
‎
‎إذًا، الدولة تسعى لحصريّة السلاح في يدها لضمان السيادة ووحدة القرار، بينما يرى حزب الله أن سلاحه جزء من منظومة دفاعية وطنية لا يمكن التخلي عنها قبل زوال التهديد الإسرائيلي. الخلاف ليس فقط تقنيًا، بل يعكس  تضاربًا في الرؤية السياسية والكيانية للبنان، مما يعني ان الملفّ صعب ومعقّد.
‎
‎في المقابل، أعدت الدولة اللبنانية ردًا رسميًا يأخذ في الاعتبار ملاحظات الحزب، ويقوم على مبدأ التوازي بين الالتزامات. هذا الرد يتضمن التزام الدولة بحصرية السلاح بيدها، لكنه يرفض تحديد مهلة زمنية ملزمة، ويشدد على التلازم بين الخطوات الإسرائيلية واللبنانية.
‎
‎الخشية تكمن في أن يؤدي رفض “حزب الله” للتسليم إلى أزمة سياسية كبيرة، لا سيما إذا اختارت الدولة اللبنانية المضي قدمًا بتنفيذ الورقة الدولية، هنا قد ترتفع احتمالات التصعيد الميداني أو حصول مواجهات داخلية أو حدودية مع إسرائيل.
‎
‎ولا بد من الإشارة الى انّ بيئة حزب الله اليوم في الجنوب والبقاع والضاحية قد تحملت الكثير خلال العقود الماضية، من الحروب والتدمير والحصار، وآخرها حرب ايلول الماضي التي طالت البنية التحتية والمنازل والمعيشة.
‎
‎لكن اليوم، البيئة الحاضنة تعيش ضغطًا اقتصاديًا واجتماعيًا كبيرًا، وهي أكثر وعيًا من أي وقت مضى لحجم الأثمان التي تُدفع مقابل كل تصعيد. صحيح أن هناك دعمًا مبدئيًا لـ”خيار المقاومة”، لكن هذا الدعم بات مشروطًا بعدم الانجرار إلى مواجهة مفتوحة طويلة تُعيد مشهد الحرب.
‎
‎حتى داخل أوساط الحزب، يُحكى أنّ هناك خطاب داخلي متصاعد يدعو إلى التريّث والحسابات الدقيقة، وليس اندفاعًا نحو مواجهة شاملة.
‎
‎وهنا تُطرح أسئلة جوهرية: من يتحمل إعادة الإعمار؟ من يعوّض عن الدمار بعدما انقطعت “الممرّات”؟ ما هي الجدوى من حرب لا تغيّر في موازين القوى في حال تعنّت الحزب ورفض التعاون مع رؤية بناء الدولة وجرّ لبنان الى مواجهة لا بصيص نور في نفقها الطويل المظلم ؟
‎
‎ بيئة حزب الله اليوم أكثر تعبًا وتوجسًا من أي حرب جديدة، وقد لا تتحمّل بسهولة كلفة دمار إضافي من دون أفق سياسي واضح أو مكاسب حقيقية وهذا امر اصبح شبه مستحيل.
‎
‎تبقى الحقيقة المرّة أن الشعوب وحدها تدفع الثمن. وإذا كانت الدول تُخاض فيها الصراعات بالعقائد والاستراتيجيات، فإن البيوت تُهدم، والأطفال يُشرّدون، والاقتصاد ينهار بلحظة، غفلة أو قرار.
‎
‎لبنان، المحكوم بحسابات الآخرين، يقف اليوم أمام مفترق مصيري: إما أن يخرج من دائرة صراعات المحاور، ويثبّت سيادة الدولة وحدها على السلاح والقرار، أو أن يستمر رهينة التجاذبات، مهدَّدًا بالمزيد من الانهيار و انفجار سياسي وأمني قد لا تُحتمل كلفته. الوصول إلى حل متوازن، يحفظ دور الدولة، ويأخذ في الاعتبار الهواجس الأمنية والسياسية، يبقى الخيار الوحيد لتفادي الأسوأ. الخيار واضح، ولكن الإرادة لا تزال ضائعة.
‎

جوني خلف – رئاسة التحرير

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى