سقط بشّار.. والعين على سوريا…

ملف المفقودين والمعتقلين اللبنانيين في اقبية سجون الأسد قد يحرج من كان حليفه
كتَبَ جوني خلف في موقع الصحافة اللبنانية:
وسقط بشّار..
الاسد الذي حكمَ سوريا بقبضةٍ حديدية لاكثر من عقدين، قد انتهى في ليلةٍ وضحاها..
هذا السقوط لم يكن نتيجة لحرب تقليدية أو انقلاب مفاجئ، بل جاء نتيجة لتراكمات من الأحداث العسكرية والسياسية التي بدأت منذ أولى مظاهرات ما يُسمّى بالربيع العربي في سوريا، لتصل إلى نهايتها بالشهر الأخير من العام 2024.
الحراك الشعبي والثورة ضد النظام
في أذار “مارس” 2011، بدأت الاحتجاجات السلمية في سوريا إثر موجة من الثورات الشعبية التي اجتاحت الدول العربية في ذلك الوقت. انطلقت المظاهرات في مدينة درعا جنوب سوريا، مطالبةً بالإصلاحات السياسية والاقتصادية، إلا أن النظام السوري قابل تلك المظاهرات بالقوة والعنف، مما أدى إلى تصاعد الاحتجاجات وتحولها إلى انتفاضة واسعة النطاق. كانت المطالب تتزايد مع مرور الوقت لتشمل رحيل بشار الأسد نفسه، إلا أن النظام استمر في قمع المتظاهرين بعنف والبراميل المتفجّرة، ما أسفر عن سقوط الآلاف من القتلى والجرحى.
التصعيد العسكري والدولي
سرعان ما تحولت الثورة السورية إلى نزاع مسلح بين قوات النظام والمعارضة، ليشهد الصراع تشعبًا مع دخول جماعات مسلحة من داخل وخارج سوريا. في هذا السياق، تدخلت عدة قوى إقليمية ودولية لدعم الأطراف المتصارعة، حيث دعمت إيران وحزب الله اللبناني قوات نظام الأسد كونها صلة وصل على خط ولاية الفقيه، بينما كانت الدول الغربية وبعض الدول العربية تدعم المعارضة.
في السنوات التالية، توسّعت الحرب، وتدخلت قوات عسكرية دولية مثل روسيا في عام 2015، ما منح النظام السوري دعمًا حاسمًا.
كانت روسيا، بقيادة الرئيس فلاديمير بوتين، اللاعب الأساسي الذي أنقذ نظام بشار الأسد من السقوط انذاك. قدمت موسكو دعمًا عسكريًا حاسمًا من خلال سلاح الجو والقوات البرية، مما مكن الأسد من استعادة معظم الأراضي التي كانت تحت سيطرة المعارضة. إلا أن التدخل الروسي لم يوقف النزاع بشكل كامل، بل أدى إلى مزيد من التعقيد والتفرقة في البلاد.
تزايد الضغوط الداخلية
على الرغم من الدعم الدولي الذي تلقاه بشار الأسد، فقد بدأت الأزمة السورية تأخذ بعدًا آخر في الداخل السوري. فقد قوبل النظام بمقاومة شرسة من قبل فصائل المعارضة المسلحة، بما في ذلك جماعات إرهابية مثل داعش ومتفرّقاتها. وفي الوقت نفسه، فرضت الولايات المتحدة والدول الأوروبية عقوبات اقتصادية شديدة على النظام السوري مثل قانون قيصر والى ما هنالك، مما أثّر بشكل كبير على الاقتصاد السوري وأدى إلى تفاقم الوضع الاجتماعي والمعيشي في البلاد.
كما سعت الدول الغربية إلى دعم المجموعات المعارضة ذات التوجهات المعتدلة، في محاولة لإحداث تغيير في النظام السوري. إلا أن هذا الدعم لم يكن كافيًا لتحقيق نتائج ملموسة، بل كان بداية لتحريك ورقة الصفقة المزمعة، بينما زاد تدفق اللاجئين السوريين إلى الخارج، مما شكل ضغطًا على الدول المجاورة وأوروبا.
انهيار النظام
بعد سنوات من الحرب المستمرة، واجه نظام بشار الأسد سلسلة من الضغوط العسكرية والاقتصادية والسياسية. تدهور الوضع العسكري في عدة جبهات، وظهرت مؤشرات واضحة على ضعف قدرة النظام على السيطرة الكاملة على الأراضي السورية. رغم محاولات روسيا وإيران الحفاظ على النظام بالشكل البراغماتيكي، إلّا ان وكما يبدو حتى الآن، كانت هناك صفقة قد تُمّمَت إن كان لروسيا او إيران.. يقول بعض المحللين، أن إيران قد دفعت “دفعة على الحساب” بالتخلي عن اذرعتها العسكرية في الشرق الاوسط، وعن دعمها لنظام الاسد، الذي يُعتبر ممر لتمرير الأسلحة وارض خصبة للعبور، من لبنان الى سوريا الى العراق الى اليمن، وذلك مقابل التراخي المزمع من دول الغرب في ملفها النووي، وان لروسيا ضمانات “ترامبيّة” في دونيتسك ولوغانسك وشبه جزيرة القرم ناهيك عن تسوية ما، للحديث عن دخول اوكرانيا في حلف الناتو، مرورًا بالدور التركي في البلاد . فإيران لم تبِع اذرعتها العسكرية فحسب، بل تبرّعت بها.. وروسيا ومنذ انهيار الإتحاد السوفياتي، وهي لا “صديق” لها بعد مصالحها الذاتية. من هنا ايضًا، فقد أصبحت الضغوط الدولية والإقليمية أكثر من أن يتحملها نظام الاسد. فالصفقة تمّت والسلعة “اسديّة” ومن لفّ لفيفها من احزاب ومجموعات..
لذا، نرى ان أحد العوامل الأكثر اهمية التي ساهمت في انهيار النظام هو التحول في مواقف بعض حلفائه التقليديين. فقد أظهرت بعض القوى الإقليمية رغبتها في إيجاد حلول دبلوماسية، كما بدأ المجتمع الدولي يضغط من أجل الانتقال السياسي وإنهاء حكم الأسد. في ظل تصاعد الاحتجاجات الشعبية داخل مناطق النظام، والضغوط العسكرية المتزايدة من قبل المعارضة.
سقطت آخر معاقل السلطة لبشار الأسد، وتم الإعلان عن نهاية حكمه فجر اليوم الاحد الثامن من ك١ 2024.
نعم.. لسقوط نظام بشار الأسد، لحظة فارقة في تاريخ سوريا والمنطقة العربية ولبنان، وقد نرى في ملف المفقودين والمعتقلين اللبنانيين في أقبية سجون الاسد، مفاجآت قد تُحرِج من كان حليف للبعث السوري أو من التحق به. على الرغم من الانتصارات العسكرية المؤقتة التي حققها النظام بدعم من حلفائه السابقين، إلا أن التطورات السياسية العالمية أثبتت أن هكذا أنظمة لا يمكنها البقاء للأبد، فقد تُمحى بليلةٍ وضحاها مقابل صفقات إقتصادية بين الدول الكبرى، نعم، اصبح واضحًا انّ في العالم الثالث، جميعهم “حجار شاترنج”.
يبقى المستقبل مجهولًا بالنسبة لسوريا، لكن ما هو مؤكد أن البلاد ستحتاج إلى سنوات طويلة من إعادة البناء والتعافي من آثار هذا الصراع المدمر.. والسؤال الذي يطرح نفسه: ماذا ومَن بعد سوريا؟ قيد الترقّب…





