نازحو لبنان عانوا الحرمان من حجارة البيت الدافئ والخوف من خسارة الذكريات

“النهار”- ليلي جرجس
لا شيء معهم سوى وعد العودة…على ذلك النحو غادر أهالي قرى الجنوب على حين غرّة، وحملوا أغراضهم القليلة الأساسية وكلّ ما يملكونه من ذكريات، ومضوا بحثاً عن مكان آمن. لم يكن يوماً الانتماء إلى الحجر بل إلى الجذور والأرض بحدّ ذاتها. وبحسب الشاعر محمود درويش، “ليس الوطن أرضًا.. ولكنه الأرض والحق معاً”. يؤمن نازحون كثيرون بتلك الكلمات، خصوصاً أنهم اضطروا إلى مغادرة منازلهم وأراضيهم وحيواتهم مكرهين، لأن العدوان الإسرائيلي قرّر أن يكشف عن أنيابه وحقده.
نحمل الذكريات أيضاً
أكثر من 20 ساعة قضتها بعض العائلات النازحة من الجنوب إلى بيروت بحثاً عن الأمان. علقوا في سياراتهم، وصمدوا بوجه كلّ الاحتمالات المفتوحة لتلك الحرب الدامية التي تصاعدت هجماتها بصورة مستمرّة.
استوقفتني تغريدة إحداهن على منصّة “إكس” جاء فيها: “كنتُ أحرص دائماً على أخذ أغراض أساسية، لكن بالأمس قرّرتُ ان أحمل بعض الذكريات معي لترافقني في رحلة النزوح هذه”.
أن تمضي مسرعاً نحو مصير مجهول هو بحدّ ذاته وجع مزدوج، كما خسارة الأمان الذي تعيش فيه بحثاً عن أمان مرتقب في مكان آخر. أن تترك كلّ شيء خلفك وتذهب يعني أن تترك جزءاً من حياتك وعمرك هناك وتغادر إلى أجلٍ غير مسمّى.
مشاهد الأطفال والنساء وكبار السنّ تزاحمت على وسائل التواصل الاجتماعي كزحمة السير الخانقة على طرقات الجنوب المتجهة نحو بيروت. دموع، تعب، إرهاق، الوعد بالنصر. لكن، لا شيء يخفّف من وطأة هذا النزوح سوى حلم العودة إلى الأرض والمنزل. افترش البعض الأرض في المدارس والكنائس والشوارع، فيما وجد آخرون منازل تؤويهم. كيف لكلّ هذا الوجع أن يبقى صامداً أمام #الصدمات المتتالية؟ ما هي تداعيات النزوح على الصعيد النفسيّ للناس، وتحديداً الأطفال؟
أوضحت الاختصاصيّة في علم النفس عند الأطفال والمراهقين في المركز الطبّيّ للجامعة الأميركيّة في بيروت، لارا جلّول، في حديثها إلى “النهار”، بأن ثقل النزوح الناتج عن فرض المغادرة بالقوة يعتبر موقفاً صعباً جداً عند كلّ الأشخاص على اختلاف أعمارهم، وقد أجبروا على ذلك بحثاً عن الأمان.
المسألة لا تتعلّق بالحجر أو بالدار، بمعنى المنزل الذي يمثّل دائرة أمان واستقرار وذكريات وحياة. هذه النقطة أساسيّة لنفهم حقيقة ما يُشكّل المنزل أو الأرض بالنسبة إلى الأشخاص قبل أن نفكّر في الصراع الذي يعيشه الناس بين الحياة والموت في تلك اللحظة، والرغبة في البقاء على قيد الحياة.
زعزعة الكائن الاجتماعي
تغوص جلول أكثر في تركيبة الإنسان النفسيّة، مشيرة إلى أن الإنسان بحاجة إلى بيئته ومحيطه في الأوقات الصعبة. ولكن في ظلّ الاستهدافات المتواصلة التي ترتكبها إسرائيل يفتقد الشخص مساحة الأمان الخاصّة به نتيجة النزوح أو الموت أو الدمار. لذلك، عندما نقول خسارة بيت أو أرض أو منزل، يجب على الناس أن تعي أننا لا نتحدّث عن الحجر بل عمّا يعنيه ذلك لهم؛ خسارتهم لا تتعلّق بالشكل الخارجيّ للمنزل إنما بكلّ ما يحمله من ذكريات وسنوات عمرهم التي أمضوها هناك.
صحيح أن النزوح هو رد فعل طبيعيّ وبديهيّ في الحروب والأزمات، لكن من المهمّ جداً أن نفهم أن هؤلاء الأشخاص يعيشون تحديات نفسية حقيقية ناجمة من خسارة وانعدام الاستقرار والأمان، وبسبب القلق والخوف. وتضاف تلك العناصر إلى الاضطرابات النفسية لدى من يعانونها، وقد تتفاقم مع الوضع، فتظهر أعراضها بشكل واضح نتيجة الخروج من منازلهم بهذه الطريقة القسريّة.
وتشير جلول إلى أن “الجسم يفرز هرمون الكورتيزول المرتبط بشكل أساسيّ بالتوتر، ويؤثر على النوم والأكل والجسم بشكل عام، وبالتالي تؤثر على حياتنا”.
كيف نتحدّث مع الأطفال عن الحرب؟
قد يحاول الكبار الصمود والمكابرة على أوجاعهم وخساراتهم، ولكن كيف يمكن أن نخفّف وطأة ما يجري على الأطفال؟ وكيف نشرح لهم حقيقة ما يجري؟
القاعدة الأولى والأساسية تتمثّل بقول الحقيقة من دون كذب. هذا ما تنصح به جلول الأهلَ حينما يشرحون لأولادهم ما يجري. يجب أن نقول للأطفال الحقيقة حتى لا يفقدوا الثقة بنا كأهل، ولكن في المقابل يجب أن تكون هذه الحقيقة مبسّطة وسهلة وصادقة، لأن الطفل قادر على أن يقرأ تعابير الوجه وتصرّفات والديه.
بالتالي، يجب أن يخبر الأهل أطفالهم بأننا في حرب، وإسرائيل تحاول أن تحتلّ الجنوب. ولكي نحافظ على سلامتنا وصحّتنا نحن مضطرون إلى مغادرة الجنوب لنكون في مكان آمن آخر في الوقت الحالي، قبل أن نرجع لاحقاً إلى منزلنا عندما تسمح الفرصة.
والفكرة من استخدام بعض الكلمات مثل الانفجار أو الحرب تتمثل بأن يلمس الطفل أن الأهل يخبرونه الحقيقة، إذ لا ينبغي أن يتركوا الولد يعيش في أفكاره، التي تكون خاطئة أو مضخّمة أحياناً أو غير واقعية في مخيّلته. يحتاج الطفل إلى أن يعرف حقيقة مبسّطة من دون الدخول في التفاصيل، التي لا تتناسب مع أعمارهم، والابتعاد عن الحديث عن القتل وموت الأطفال.
أما فكرة البحث عن مكان آمن فهو بهدف تطمين الطفل أنه سيكون بخير مع أهله، ولا داعي للخوف والقلق. ونعرف جيّداً أن الأطفال لديهم مرونة أكثر تزيد في قدرتهم على الصمود.
الحكي يُطوّل العمر
كذلك تنصح جلول بتفادي الاستماع إلى الأخبار أو مشاهدة التلفاز أو وسائل التواصل الاجتماعي التي تبثّ فيديوهات عن الحوادث أمام الأطفال، بغية تفادي تعريضهم لأيّ مشاهد أو أصوات عنف قد تترك أثراً سلبياً عليهم.
ووفق قول لبناني شائع، فإن “الحكي يُطوِّل العمر”، ومن المهم التشجيع على أهمية الحديث عن كلّ ما نشعر به، وعدم كبت المشاعر على اختلافها، فالناس بحاجة إلى إخراج ما في دواخلها.
ولأن عدم الحديث عن الصدمات، التي نعيشها، من شأنه أن ينتقل من جيل إلى جيل؛ ولأن هنالك صدمات نفسية غير معالجة؛ تبرز أهمية التعبير عن هذه المشاعر حسب الطريقة التي يرتاح بها كل فرد، سواء عبر الرسم أو الكتابة أو الكلام.
وكلّ شخص لديه طريقته في التعبير التي قد لا تتشابه مع طريقة الآخر، حتى لو كانت الصدمة واحدة.




