تعرف على مدينتي

وطى الجوز: قصّة عشق…. بقلم المحامية سينتيا حاتم أبي غانم

تعرف على بلدتي

ويسألونني عمّا يشغل قلبي، فأجيب بأنّ عشقي وحبّي وهيامي وكلّ ولعي هو تراب ضيعتي، وطى الجوز!
فيكفي أن يرقد فيه أغلى وأطهر وأعظم وأحنّ أب لتعبق منه رائحة البخور، ويفوح منه عبير من الجنّة…
هذه الجنّة التي نفتقدها منذ زمن في لبناننا الحبيب،الوطن الممزّق، المسلوب،المدمّر، المشوّه، “المجهنم” والمقهور…
هذه الجنّة أعيشها في حنايا طبيعة هادئة ومعطاء في كلّ الفصول.

ـ ففي الصيف نصحو على زقزقات العصافير تعلو وتتناغم كأنشودة شكر عند بزوغ الفجر، بعد سكون ليل حالم وجميل،
وتمدّ الشمس أناملها الذهبيّة لتضفو الدفء ، والبهجة والغبطة والفرح في قلوب الشيوخ والأطفال،
وتتفتّح الأزهار المتنوّعة الألوان لترسم لوحة نادرة الجمال حول أشجار تنحني فيها الأغصان المحمّلة بالثمار على اختلافها، كيديّ أب تحملان الأطفال بحبّ وحنان وقليل من التعب!!
وترقص الفراشات طول النهار في هذا الجوّ الهادىء، الدافىء، سكرانة من رحيق الورود…
في هذه الأجواء تتحوّل البساتين إلى ساحة لعب للأطفال أفضل بكثير لصحّتهم النفسيّة والجسديّة معاً من أهمّ
مغلق،Playground
وترتفع صيحات الأطفال من شدّة الفرح فتؤلّف مع دقّات أجراس الكنائس سمفونيّة يركض على وقعها الأطفال ويمرحون ويلعبون تارة على المراجيح حيث يرتفعون فيعانقون الريح ،
وتارة أخرى يقفزون على ال
Trampoline حيث يتنافسون على مصافحة السماء التي تشبههم وتشبه قلوبهم الطاهرة…
وطوراً يستحمّون في ال
Piscine
فيرشقون بعضهم بالمياه ويضحكون ويبكون ويصل صدى أصواتهم إلى كلّ الصخور المحيطة بنا…
واللذّة القصوى لهم هي حين يغمرون التراب ويصنعون منه أشكالاً، والشكل الأحبّ على قلبهم هو “القصر” من الحبّ والأحلام الزهريّة.
و كلّ يوم يتفقّدون القصر إذا كان ما زال في مكانه، فيجدون حبيبات التراب متناثرة في البستان والقصر…. محطّم….
ويقومون ببناء قصر أجمل وأعلى يشبه وجوههم الجميلة… وآمالهم الكبيرة….
أمّا بعد الظهر فتحلو النزهات في أروقة تتصاعد منها قهقهات الكبار، ورائحة الرياحين ونحسّ فيها خيال الأحبّة الذين تركونا وبقيت ذكراهم محفورة في كلّ مكان، وعلى كلّ منعطف من ضيعتي!!
وتحلو النزهة أكثر وأكثر على الدرّاجة بحيث نسابق الريح والسيّارات، والوقت….
ولا تغيب الشمس من عيوننا أبداً إلا بعد أن تسلّم مهامها إلى القمر والنجوم…
فيحلو السمر على ضوء القمر وتلفح أجسادنا قشعيريرة بسيطة تنعشنا من طيب هواء نقيّ يشفي العليل….

وفي الخريف وقت الحصاد.
يصبح الهواء بارداً في كنف شمس أحياناً خجولة مختبئة وراء الغيوم، وأحياناً يلطّف الهواء حدّة أشعّة شمس تذكّرنا بأيّام الصيف، ونسمّيها ” الصيف الثاني”.
ويبدأ النزوح إلى السواحل، فتتّسع الأماكن و تصبح الأروقة خالية إلّا من… الذكريات الحلوة، وتهجر الألعاب البساتين حيث، بعد القطاف تخلع الأشجار حللها وأوراقها لترسم بها لوحة إلهيّة صفراء، حمراء ومتنوّعة الألوان رائعة الجمال، بعد أن أنزلت ثمارها من يديها وقدّمتها للحياة…
فلا نعود نسمع ضحكات الأولاد…
لكنّنا نطرب لحفيف ما تبقّى من أوراق الشجر على وقع نسيم عليل يغلغل فيها،
ونصغي إلى خرير مياه تتدفّق غزيرة من الينابيع وتسكب قلبها في شلّالات تروي الطبيعة وتشبع النظر…

وضيعتي في الشتاء تتعرّى أشجارها كلّياً من حليها تماماً مثل الروح التي تلقى الخالق عند مفارقة الجسد!!
فتغضب الطبيعة حيال هذا الفراق، ببرقها ورعدها وعواصفها، حتى يحلّ الزائر الأبيض مغطّياً الأزقّة والممرّات والبساتين والأروقة….ومرتفعاً أمتاراً وأمتار…
وتحلّ السكينة، حتى تعود الشمس لتطلّ من جديد مستقبلة أهل البيت الذين يهرعون إلى الضيعة لتمضية عطلة….
فيرى الأولاد أنّ الوشاح الأبيض قد غطّى كلّ الأماكن التي كانت تضجّ بألعابهم …
فيصبح هذا الوشاح هو اللعبة وهوالسلوى يصنعون به “رجل ثلج” ما يلبث في اليوم التالي أن يذوب تماماً مثل “قصر الرمل” في الصيف….
فتعلّمهم الطبيعة أوّل درس في الحياة، وهو أنّ كلّ شىء زائل، فلنفرح باللحظة الحاضرة….
وما يزيد جمال هذه اللوحة الخلّابة بقايا الثلج على أغصان الأشجار التي، رغم قساوة الطقس، تحافظ على لباسها مثل الأرز، واللايلندي وال Sapin الخ.

وفي الربيع ومع هبوب رياح الخمسين يذوب الوشاح الأبيض أو ما تبقّى منه، وتهمّ الطبيعة للنهوض مجدّداً بالحياة.
فتتفتّح البراعم في الأشجار والأزهار، وسرعان ما تزهر هذه البراعم الرقيقة على أغصان شبيهة بأمّ تلد طفلها وتخرجه للحياة….

 

لتقدّم لنا أشهى الثمار في فصل الصيف…. واعدة بموسم غزير العطاء.

في28/04/2023
المحامية سينتيا حاتم أبي غانم

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى