سياسةمقالات وتقارير

بعد 48 عاماً على تغييب الصدر… ماذا بقي من لبنان الذي أراده؟

كتب "جوني ج خلف"

 

 

في 31 آب 1978، غاب الإمام موسى الصدر في ليبيا برفقة الشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدر الدين. ومنذ ذلك اليوم، لم يعد الغياب مجرد حادثة تنتظر كشف مصير أصحابها، بل تحوّل إلى واحدة من أطول القضايا المفتوحة في تاريخ لبنان الحديث.

 

ثمانية وأربعون عاماً مرّت، وما زال السؤال قائماً: ماذا حصل في ليبيا؟ وأين أصبح الإمام الصدر ورفيقاه؟

 

لكن هناك سؤالاً آخر، ربما أصبح أكثر إلحاحاً مع مرور الزمن: ماذا كان سيقول موسى الصدر للبنان اليوم؟

 

يصعب الحديث عن الرجل باعتباره مجرد إمام للطائفة الشيعية أو مؤسساً لحركة سياسية. حضوره في لبنان كان أوسع من ذلك بكثير. ففي مرحلة كان فيها الحرمان في الجنوب والبقاع يأخذ أبعاداً اجتماعية وسياسية واضحة، حاول الصدر أن ينقل أبناء طائفته من موقع التهميش إلى موقع الشراكة، من دون أن يجعل هذه الشراكة مشروع قطيعة مع بقية اللبنانيين.

 

وهنا تحديداً تكمن أهمية استعادة تجربته اليوم.

 

فالصدر لم يكن يرى أن قوة الشيعة تكون في عزلهم عن الدولة، ولا أن حماية لبنان تكون بتحويل طوائفه إلى جزر منفصلة. كان يتحدث عن حقوق المحرومين، لكنه كان يتحدث في الوقت نفسه عن لبنان. وكان يرفع الصوت دفاعاً عن الجنوب، من دون أن يفصل الجنوب عن الوطن.

 

هذه النقطة تستحق التوقف عندها، لأن لبنان اليوم يعيش في قلب الأسئلة نفسها، وإن تغيّرت الظروف والأسماء.

 

الطائفة الشيعية التي كان الصدر يسعى إلى رفع الحرمان عنها أصبحت لاعباً أساسياً في المعادلة اللبنانية، والجنوب الذي كان عنواناً دائماً في خطابه تحوّل على مدى عقود إلى ساحة مفتوحة للحروب والصراعات الإقليمية. أما الدولة التي كان يفترض أن تكون الإطار الجامع، فما زالت تعاني أزمة مزمنة في فرض سلطتها وإدارة الخلاف بين مكوناتها.

 

لهذا، فإن استحضار موسى الصدر لا يجب أن يتحول إلى مناسبة لاستعمال اسمه في الصراع السياسي الحالي. الرجل نفسه كان أكبر من أن يُختصر في شعار حزبي أو يُستعاد فقط عندما تحتاج القوى السياسية إلى رمزية تاريخية.

 

الأهم هو العودة إلى جوهر مشروعه.

 

كان الصدر يعرف أن الحرمان يولّد غضباً، وأن الغضب إذا لم يجد طريقه إلى الدولة والمؤسسات يمكن أن يتحول إلى صراع مفتوح. لذلك لم يكن مشروعه اجتماعياً فقط، بل كان في صلبه سؤال الدولة وموقع الإنسان فيها.

 

وكان يعرف أيضاً أن لبنان لا يمكن أن يُبنى بمنطق الغالب والمغلوب.

 

من هنا، تبدو المفارقة مؤلمة اليوم. بعد كل هذه العقود، لا يزال لبنان يناقش الأسئلة التي كان الصدر يطرحها: الدولة، العدالة، الجنوب، التهميش، الطائفية، الشراكة، والعلاقة بين المقاومة والسلطة الشرعية.

 

لكن الفرق أن البلد دفع خلال هذه السنوات أثماناً باهظة.

 

أما قضية تغييب الصدر، فما زالت بدورها تنتظر الحقيقة. وقد تسلّم لبنان في تشرين الثاني 2025 ملف التحقيق الليبي في القضية، في خطوة أعادت الملف إلى الواجهة بعد عقود طويلة من الانتظار.

 

وفي الذكرى الـ48، لا تبدو المطالبة بكشف مصير الصدر ورفيقيه مسألة تخص عائلة أو طائفة أو جهة سياسية وحدها. هي قضية لبنانية، لأن الرجل اختفى وهو في مهمة مرتبطة بعلاقات لبنان الخارجية، ولأن إغلاق هذا الملف من دون معرفة الحقيقة يبقي جرحاً مفتوحاً في الذاكرة الوطنية.

 

لكن ربما تكون أكبر عدالة يمكن أن تُمنح لموسى الصدر اليوم ألا يبقى مجرد «الإمام المغيّب».

 

أن يُقرأ فكره، لا أن تُستعمل صورته فقط.

 

أن يُسأل ماذا كان يريد من الدولة، لا فقط ماذا حدث له.

 

وأن يُطرح مشروعه للحوار والعيش المشترك والعدالة على طاولة لبنان الحالي، لا أن يبقى محفوظاً في أرشيف الخطب والاحتفالات.

 

بعد 48 عاماً، لا يزال الصدر غائباً، لكن حضوره في النقاش اللبناني لم ينتهِ.

 

وربما لو كان موجوداً اليوم، لما كان سؤاله الأول عن أي طائفة انتصرت، ولا عن أي فريق ربح المعركة.

 

ربما كان سيسأل ببساطة: ماذا بقي من لبنان الذي أردناه جميعاً؟

جوني خلف – رئاسة التحرير

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى