لبنان من دولة التسويات إلى دولة المؤسسات: هل حان وقت مراجعة النظام؟

علا غريزي
لم تكن الحروب التي عاشها لبنان مجرد مواجهات انتهت بتوقيع اتفاقات ووقف إطلاق النار. لقد تركت وراءها منظومة سياسية أعادت إنتاج موازين القوى داخل الدولة، حتى أصبح منطق التسوية بين القوى المتنازعة بديلًا عن منطق الحكم والمؤسسات.
المشكلة أن لبنان ما زال يدير شؤونه بعقلية مرحلة الحرب… توافقات تُعقد لتجنب الصدام، محاصصات تحفظ النفوذ، وتعطيل متبادل يتحول إلى وسيلة ضغط سياسي. لكن إلى متى يمكن لدولة أن تستمر بهذه الآلية أو أن تزدهر فيما لا تزال قواعد إنتاج السلطة أسيرة منطق الصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية؟
برأيي، لم يعد الإصلاح الجزئي كافيًا…
نحن بحاجة إلى مراجعة سياسية ودستورية تضع اتفاق الطائف موضع التطبيق الجدي، وتعيد النظر في الثغرات التي جعلت المؤسسات عرضة للتعطيل، ولا سيما في ما يتعلّق بحدود المسؤوليات بين السلطات والمهل الدستورية التي لا يجوز أن تتحول إلى رهينة للتجاذبات السياسية. وتشمل هذه المراجعة الممارسات التي تعرقل اتخاذ القرار في مجلس الوزراء، حيث تنصّ المادة 65 من الدستور على اللجوء إلى التصويت عند تعذّر التوافق.
أما قانون الانتخاب، فيجب أن يكون في صلب أي تغيير. لا يمكن بناء حياة سياسية وطنية فيما يبقى التنافس محكومًا إلى حد كبير بالاصطفاف الطائفي والتحالفات المغلقة. المطلوب صيغة انتخابية تفتح المجال أمام أحزاب وطنية وبرامج سياسية عابرة للطوائف، وتؤمّن في الوقت نفسه ضمانات التمثيل العادل للتنوع اللبناني، وصولًا إلى تطبيق المادتين 22 و95 من الدستور. فالمادة 95 تنصّ على خطة مرحلية لإلغاء الطائفية السياسية وتشكيل هيئة وطنية لهذا الغرض، فيما تربط المادة 22 إنشاء مجلس للشيوخ بانتخاب أول مجلس نواب على أساس وطني غير طائفي.
ولا معنى لأي تعديل دستوري أو انتخابي من دون قضاء مستقل، ورقابة فعلية على المال العام، وآليات واضحة لمحاسبة الوزراء والنواب والمسؤولين، بعيدًا عن الحماية السياسية.
لقد أصبحنا أمام ضرورة الانتقال من نظام تُدار فيه الطوائف عبر زعاماتها إلى دولة تحمي حقوق المواطنين جميعًا.




