
لم تصدر الأوامر بعد، لكن التهديدات تترك للمنطقة هامشًا أضيق لالتقاط الأنفاس. واشنطن تلوّح بضرب إيران، وطهران تتمسّك بحساباتها، وإسرائيل تستعدّ عسكريًا، فيما يتابع لبنان هذه التطورات من جبهة لم تتوقف الاعتداءات عليها. وأي انتقال من التهديد إلى التنفيذ قد يضعه أمام حرب لا يملك قرار منعها، ولا القدرة على تحديد حدودها.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب رفع سقف الاحتمالات بإعلانه أن بلاده تفكّر في شنّ هجوم عسكري على إيران، وصولًا إلى طرح إمكان حصوله في اليوم التالي لتصريحه، قبل أن يشدّد على أنه لن يكشف موعد أي عملية محتملة. ومع حديثه عن احتمال اضطراره إلى «إنهاء المهمة»، أبقى التوصّل إلى اتفاق واردًا، مؤكدًا أن الولايات المتحدة ستنتصر في الحالتين.
لا يتيح هذا الكلام الجزم بأن الهجوم بات محسومًا، لكنه يجعل التهديد أكثر مباشرة، ويضع الإيرانيين أمام احتمال استخدام القوة إذا تعذّر الاتفاق. كذلك، فإن إبقاء التوقيت مجهولًا يضاعف الترقّب، خصوصًا مع تراكم المؤشرات العسكرية والأمنية التي تدفع الأطراف إلى رفع جهوزيتها تحسّبًا لضربة مباغتة.
والخطر هنا يتجاوز قرار شنّ الهجوم نفسه. فقد يخطئ أحد الأطراف في تقدير استعداد الآخر للمواجهة، أو يعتقد أن ضربة محدودة ستُقابل بردّ يمكن احتواؤه. وعندها، قد تسقط الحسابات التي بُني عليها التحرّك الأول، وتتحوّل العملية إلى جولات متلاحقة يصعب وقفها بالشروط التي سبقتها.
لبنان حاضر في هذه الحسابات بحكم علاقة حزب الله بإيران، وما تثيره من مخاوف من انخراطه في أي مواجهة تتعرّض لها طهران. ولا يمكن حسم شكل هذا الانخراط أو توقيته مسبقًا، لكن بقاء القرار العسكري خارج المؤسسات اللبنانية يترك البلاد معرّضة لتبعات خيارات لا تستطيع حكومتها التحكّم بها. فالمسألة لا تتعلّق فقط بما إذا كانت الحرب ستندلع، بل بمدى قدرة لبنان على تجنّب التحوّل إلى إحدى ساحاتها.
ويأتي هذا القلق فوق واقع جنوبي يستنزف الأهالي يوميًا. القصف المدفعي وعمليات النسف والتفجير والغارات مستمرة، ولا سيما في مناطق ما يسمّى “الخط الاصفر”، بالتوازي مع التضييق على مزارعين خلال قطاف الزيتون في بلدات مجاورة للمناطق المحتلة. وبذلك، تطاول الاعتداءات ما تبقّى من مقوّمات الحياة، وتعرقل محاولات الناس التمسّك بأرضهم والعمل فيها.
وتضيف الاستعدادات الإسرائيلية لإجراء مناورة قرب الحدود اللبنانية عاملًا آخر إلى هذا الترقّب. فالمناورة التي تتضمّن سيناريوهات هجمات مفاجئة وتسلّل بري وجوي تأتي على جبهة تشهد عمليات فعلية، ما يرفع القلق من احتمال توسيعها أو استغلال أي تطوّر إقليمي لفرض وقائع إضافية. ومع أن التدريب العسكري لا يعني وحده اتخاذ قرار بالحرب، فإن توقيته وطبيعته يفرضان مراقبة ما قد يسبقه أو يرافقه من تحرّكات.
في هذا السياق، برز موقف رئيس الجمهورية جوزاف عون من طرابلس، حيث شدّد على أن الانقسام لا يحمي أحدًا، وأن إضعاف الدولة لا يمنح القوة لأي مكوّن، داعيًا إلى وضع مصلحة لبنان فوق الحسابات الضيقة. وحدّد قاعدة الدولة القوية بمركزية السلاح بيد جيش واحد، بالتوازي مع لامركزية الإنماء، مؤكدًا أن طرابلس ليست على هامش الوطن.
وخلال جولته التي شملت السرايا والمراكز الأمنية وقصر العدل والمرفأ ومعرض رشيد كرامي الدولي، أكّد عون استقلالية القضاء وتفعيل المرافق العامة وتوفير فرص العمل. كما دعا إلى تجهيز مرفأَي طرابلس وبيروت لتكريس دورهما ضمن مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، في محاولة لفتح فرص اقتصادية يحتاج لبنان إلى الاستقرار للاستفادة منها.
غير أن حركة الداخل تبقى محكومة بما قد تحمله الأيام المقبلة إقليميًا. فاستمرار التهديد الأميركي يضغط باتجاه اتفاق، لكنه يرفع أيضًا احتمال المواجهة، ولا يملك لبنان ضمانة بأن تتوقف نتائجها عند حدود إيران. أما الاعتداءات جنوبًا، فتؤكد أن كلفة الانتظار تُدفع أصلًا، حتى من دون اندلاع حرب أوسع.
وعليه، فإن التهدئة مع إيران قد تمنح لبنان مهلة، لكنها لن تؤمّن له استقرارًا دائمًا ما دام احتمال فتح جبهته قائمًا بقرار خارج الدولة. والخطر الأقرب أن تُستخدم هذه المهلة للاستعداد للجولة التالية، بدل توظيفها لتحصين الموقف اللبناني. عندها، ستبقى قدرة لبنان على تجنّب الحرب أضعف من قدرة الآخرين على جرّهِ إليها.
جوني ج خلف – رئاسة التحرير




