سياسة

إعادة الإعمار و ولادة الحكومة.. حجر “شطرنج” على الطاولة اللبنانية لِيُصار الى “كش ملك”!

كتَب جوني خلف في موقع “الصحافة اللبنانية”

نواف سلام..  هو “العدليّ” الذي يحظى بتقدير “البعض الكثير” من الأوساط السياسية والاجتماعية التي ترى فيه شخصية مستقلة ونزيهة، ويتمتع بصورة جيدة في الأوساط الدولية، اذ يعتبره البعض “الشخصية التقنية” التي قد تحمل معها حلًا للأزمات التي يعاني منها لبنان.
ومع ذلك، فإن الطريق الذي يسلكه نواف سلام ليس سهلًا، خاصة في ظل البيئة السياسية اللبنانية المعقدة. فبالإضافة إلى الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، تبرز مشكلة أساسية تتعلق بتعثر تشكيل الحكومة وهي التوترات بين الأطراف السياسية، وخاصة الثنائي الشيعي.

حزب الله وحركة أمل اللذان يشكلان الكتلة الشيعية الكبرى في لبنان، و طبعًا لهما تأثير كبير في الحياة السياسية.
هذا “الثنائي الشيعي”، وعلى الرغم من أنه يُعد من أبرز القوى السياسية في لبنان، إلا أنه يتمتع بنفوذ واسع في تشكيل الحكومة اللبنانية. وقد تمسك بحقوقه السياسية من خلال “التمثيل السياسي” في الحكومات السابقة، سواء في المناصب الوزارية أو في اختيار الوزراء. لذلك، أي محاولة لتشكيل حكومة دون التوافق مع هذا الثنائي تعتبر أمرًا معقدًا للغاية، وخاصةً بعد العدوان الإسرائيلي الذي استهدف لبنان وتحديدًا “حزب الله” وفقدان قياداته، مما جعله يشعر انه بحاجةٍ للملمة ذاته وضمانة وجوده كلاعب سياسي قوي داخليًا.

أحد التحديات الكبرى التي يواجهها نواف سلام في سعيه لتشكيل الحكومة هو تعنّت هذا الثنائي، الذي يصر على الاحتفاظ بحقائب وزارية معينة وتشكيل حكومة تتماشى مع رؤيته السياسية أو على الأقل ألّا يشعر بالإقصاء من التوقيع. فالثنائي لا يتوانى عن استخدام قوته البرلمانية والشعبية، للضغط على الأطراف السياسية الأخرى، مما يجعل تشكيل حكومة مستقلة أو حكومة غير متوافقة مع مصالحهم أمرًا صعبًا جدًا.


فمن جهة، حزب الله وحركة أمل لديهما تحفظات على شخصيات مستقلة قد تشكل تهديدًا لتوازن القوى الطائفي. ومن جهة أخرى، الثنائي الشيعي يطالب بتوزيع الحقائب الوزارية بشكل يعكس قوتهم السياسية والبرلمانية وعلى رأسها حقيبة “المالية” التي تُعد الممر الأوحد لتمرير أي مشروع او قرار وزاري والى ما هنالك. نواف سلام، الذي يُنظر إليه كشخصية مستقلة، قد يواجه صعوبة في تلبية هذه المطالب، خاصة إذا كانت الحكومة التي يطمح إليها تقوم على أساس تقني وغير طائفي او حزبي، وهو أمر قد لا يتماشى مع مصالح هذه القوى ولا غيرها.

في المقابل، هناك ضغط دولي على لبنان من أجل تشكيل حكومة قادرة على إجراء الإصلاحات الاقتصادية والسياسية التي يطالب بها المجتمع الدولي، والذي يمارس ضغوطًا على الأطراف السياسية اللبنانية من أجل تشكيل حكومة قادرة على تنفيذ الإصلاحات، خاصة تلك التي تخص القطاع المصرفي ومكافحة الفساد. لكن في ظل النفوذ الكبير للثنائي الشيعي، يبدو أن هذه الضغوط قد لا تكون كافية لتغيير موقفهم.

إضافة إلى ذلك، هناك تأثيرات إقليمية تلعب دورًا كبيرًا في سير العملية السياسية في لبنان، حيث يتمسك حزب الله بعلاقاته مع إيران، مما يعزز من موقفه في الداخل اللبناني، ويجعله أكثر قدرة على تعنّت المفاوضات مع أي شخصية سياسية، بما في ذلك نواف سلام، كَوْنَ أن الحزب يسير بحسب مرجعيّته أي “ولاية الفقيه”، وهنا قد تلعب طهران دورًا بارزًا في التشكيلة الحكومية! وتضع أوراقها على طاولة ترامب للتفاوض على الملف النووي والعقوبات، مقابل تسهيل الأمور الشرق اوسطية من خلال “اذرعتها” التي باتت شبه “منفصلة جغرافيًا” في الوقت الحاضر بعد سقوط نظام الأسد، ولكنها مازالت لها تأثير في البقع الجغرافية التي تتواجد فيها.

على الرغم من التحديات الجمة، ليس من المستحيل أن ينجح نواف سلام في تشكيل حكومة، لكن هذا يتطلب أولًا تقديم تنازلات سياسية من جميع الأطراف المعنية. إذا استطاع نواف سلام إقناع الثنائي الشيعي والأفرقاء الآخرين بتقديم بعض التنازلات، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الحقائب، فقد يتمكن من تشكيل حكومة تمثل جميع الأطراف اللبنانية، فإلى جانب الضغوط التي يمكن أن تمارسها القوى الدولية على لبنان، قد يشهد الداخل اللبناني تغييرات سياسية قد تؤدي إلى تقارب بين القوى السياسية التقليدية وبعض الشخصيات المستقلة. وهنا قد تلعب الجهات المانحة وخاصة الدول العربية والخليجية منها،  دورًا كبيرًا في تسهيل التنازلات، وذلك من خلال فرض واقع “مجبرٌ أخاكَ لا بطلُ” أي بمعنى، إمّا السير بالتنازلات وولادة حكومة كما يراها سلام المتوافق مع المجتمع الدولي والإقليمي، وإمّا لا مساعدات ولا إعادة إعمار!!

يبقى السؤال مفتوحًا حول ما اذا كان سلام سينجح في تشكيل الحكومة في الوقت القريب، أم أنه بحاجةٍ الى وقت أكثر وأطوَل بأشواط في ظل الأوراق الإقليمية والدولية المتشعّبة والتي هي حجر “شطرنج” على الطاولة اللبنانية ليصار الى “كش ملك”!

نعم هناك تعقيدات في المشهد السياسي والطائفي. ومع ذلك، فإن هناك إمكانية في حال تم تحقيق توافق سياسي داخلي، من خلال الضغط الدولي والإقليمي الذي قد يُجبر الأطراف السياسية على تقديم التنازلات اللازمة. إلا أن الأمل في التوصل إلى حكومة مستقلة قد يتطلب وقتًا أكبر وحلولًا جذرية لمشكلات لبنان المتراكمة. فهل هذه المرّة سيُخرج “محنّك السياسة” دولة الرئيس بري، الأرنب من السلة ويمضي بإسم “شيعي” لوزارة المال قد يسمّيه سلام ويكون مَرضي عنه لدى الثنائي ولا بشكّل حجرة عثرٍ لدى الأفرقاء الآخرين، وذلك مقابل تلويح إقليمي في حال تمّ ذلك بأن “راجع يتعمّر الجنوب”؟! إنه “النبيه” يا سادة…

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى