حملة داخليّة واندفاعة خارجية في اتجاه “حزب الله”

مقالات مختارة
“النهار”- ابراهيم بيرم
عندما أطلق رئيس كتلة نواب “حزب الله” محمد رعد مقولته قبيل فترة قصيرة وفحواها أن الحرب الإسرائيلية قد انتهت واستنفدت أغراضها من الناحية الاستراتيجية، معتبراً أن ما يجري بعد هو مسار تكتيكي يستتبع عملياً كل حرب على وشك أن تنتهي وتضع أوزارها، خال كثر أن هذا الاستنتاج ما هو إلا شعار يطلقه من يشاء غب الطلب.
الامر لم يكن كذلك إطلاقاً، فحسابات الحزب المضمرة بُنيت في الشهر السابع لانطلاق المواجهات في غزة وعلى طول الحدود الجنوبية اللبنانية، على أساس أن تلك الحرب قد فقدت قيمتها الاستراتيجية لأن عنصر المفاجأة فيها قد فقد، فضلاً عن أن إمكان أن تترجم تل أبيب تهديداتها ضد لبنان بعمل عسكري واسع يتفلت من قواعد الاشتباك الحالية المضبوطة قد تبدّد، والأبعد من ذلك صار عند الحزب يقين بأن إمكان أن تسحق إسرائيل شريك الحزب في المحور أي حركة “حماس” قد صار عبارة عن سراب حتى وإن نجحت إسرائيل في اقتحام رفح الجزء الأخير من القطاع الذي ما زال خارج السيطرة الإسرائيلية المباشرة.
مع كل ذلك لم يكن بمقدور الحزب أن يرفع إشارة النصر لأنه يعلم يقيناً أن تداعيات حرب بهذه الضراوة لن تنتهي بعد وتحتاج الى مزيد من الوقت.
ووفق مقربين من دوائر القرار في حارة حريك فإن الحزب يستشعر منذ أسابيع أنه يعيش المناخات والأجواء نفسها التي عاشها إبان الأشهر الثلاثة التي سبقت مباشرة الجلاء الإسرائيلي عن الجنوب في أيار عام 2000 من ناحيتين:
الأولى: هجمة داخلية شرسة عليه.
الثانية: اندفاعة خارجية غير معتادة نحوه.
الأولى تجسّدت في تصريحات أتته من جهات عدة حاولت تصويره وكأنه ساعٍ الى إحداث تغييرات في هوية البلد فتوالت عليه حملات الكلام الموجع والمؤذي.
وحسب المصادر نفسها فإن القصد من كل ذلك كان أمرين: منع الحزب وقائياً من استثمار نتائج الحرب التي فتح هو أبوابها عامداً متعمداً في 8 تشرين الأول الماضي، وخصوصاً لجهة منعه من الإمساك بزمام الرئاسة الأولى، وهي معركة سبقت الحرب الأخيرة بأشهر.
وتحت هذا العنوان رصد الحزب وفق المصادر عينها حراكاً مكثفاً يمتد منذ أشهر تحت عنوان توليد المبادرات المتتالية لإنتاج صيغة تسوية رئاسية عنوانها العريض ذهاب الجميع نحو الخيار الثالث الذي ينطوي على تخلي الثنائي الشيعي عن مرشحه المعلن منذ زمن وهو سليمان فرنجية، ويتخلى “تقاطع القوى” عن مرشحه الوزير السابق جهاد أزعور، والانطلاق في رحلة التفاهم على شخصية ثالثة وسطية لا تشكل عنصر استفزاز لأي جهة.
وفي هذا السياق أحصى المتابعون في الحزب ثماني مبادرات متتالية اقتحمت المشهد السياسي على نحو متقارب خلال أشهر ثلاثة، وهي على التوالي مبادرة اللجنة الخماسية، والمبادرة القطرية والورقة الفرنسية بنسختيها، الى المبادرة الأميركية القديمة المتجددة، إضافة بطبيعة الحال الى ثلاث مبادرات داخلية.
وحسب المصادر نفسها فإن الحزب أظهر إصراراً على التمسك بمرشحه للرئاسة الأولى مكرراً تأكيده أن ترشيح فرنجية ليس من باب المناورة بل هو ترشيح ذو طبيعة استراتيجية – وجودية بالنسبة إليه.
لكن الحزب في المقابل أبدى مرونة تجاه الهجمات الأخرى ومضى في سياسة الاستيعاب، فهو على سبيل المثال اعتصم بالصمت حيال بكركي ثم بادر الى التأكيد أنه ليس في وارد قطع خيط هذه العلاقة مع هذا الصرح التاريخي وأنه على استعداد لتفعيل هذه العلاقة، فيما كان المجلس الشيعي هو من يأخذ جانب المواجهة والرد.
في غضون ذلك كان أحد منظّري الحزب النائب علي فياض يقدّم للمرة الأولى أطروحة تنطوي على نظرة الحزب لمستقبل العلاقات مع مكونات البلاد الى مواقفه من القضايا والبنود الخلافية. واللافت أن هذه الأطروحة جذبت الانتباه فسارعت قوى مسيحية معروفة بحدّة عدائها للحزب والاشتباك معه الى إجراء قراءة للأطروحة تلك، واجدة في طيّاتها منطلقات مختلفة إيجابية يمكن البناء عليها من شأنها أن تبدّد الكثير من الهواجس.
وعلى مستوى الاندفاعات الخارجية نحوه تلقف الحزب بإيجابية ولكن بهدوء مبادرة الجامعة العربية، إذ بعدما زار موفدها السفير حسام زكي محمد رعد في الضاحية الجنوبية، أطلق زكي تصريحاً أعلن فيه رفع الجامعة اسم الحزب عن لائحة المجموعات الإرهابية التي يُحظر التواصل معها.
وإن كان استقبال الحزب للموفد الفرنسي جان إيف لودريان صار أمراً عادياً وثابتاً، فإن ثمة عنصرين جديدين قد أضافهما الحزب أخيراً الى رصيده من العلاقات الخارجية، الأول تمثل في الزيارة التي قام بها نائب مدير المخابرات الألمانية لنائب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم وذكر لاحقاً أنها ليست الأولى من نوعها.
والأبعد من ذلك فإن الإدارة الأميركية ولجت أيضاً مرحلة التواصل غير المباشر مع الحزب من خلال زيارات هوكشتاين المتعددة لعين التينة التي ركزت على موضوع الترتيبات الأمنية المرتقبة على الحدود لحظة انتهاء المواجهات العسكرية، علماً بأن واشنطن تعلم أن المقصود هو الحزب وأن المعني بتلك العروض التي يحملها هو الحزب نفسه.
وفي الموازاة يستشعر الحزب أن الدول الخليجية بدات تحولاً في العلاقات معه وهي تجنح نحو التهدئة خلافاً لما كانت عليه إبان السنوات العشر الماضية من التوتر.
وفي كل الأحوال فإن الحزب يعلم يقيناً أن هذا التحول في علاقات الآخرين نحوه ما كان ليحدث لولا الدور الذي أداه على الحدود الجنوبية، لكنه في المقابل لا يخفي توجسه من ذلك، خصوصاً إن كان المراد أن يقدم تطمينات لمن يعنيهم الأمر فحواها أنه يقيم على قابلية ليفك “ارتباطه” بالقضية الفلسطينية في يوم من الأيام.
وحيال ذلك فإن الحزب وفق المصادر نفسها يتبع الأسلوب عينه الذي اتبعه عشية الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب في عام 2000، إذ كان حينها كما اليوم يفتح أبوابه أمام كل طارق ولكنه يرفض في المقابل إعطاء أي إجابات واضحة على أسئلتهم الكثيرة وفي مقدمها أين ستكونون في اليوم التالي وما خططكم لهذا اليوم؟ ويرفض أيضاً إعطاء أي تعهدات أو تطمينات تقيّده أو تحدّ من حرية حركته.




