رماح العقيدة وحدود النار.. “ثلاثية الصراع الإقليمي”…

كتب جوني خلف:
يُعتبر الصراع بين إيران وإسرائيل من أكثر النزاعات تعقيدًا في الشرق الأوسط، حيث يتجاوز الأبعاد السياسية ليصل إلى قناعات وتناقضات دينية عميقة
إيران، ذات النظام الإسلامي الشيعي، تدعم “حزب الله” كجزء من محورها، بينما ترى ما يُسمّى “إسرائيل”، الدولة اليهودية، في ايران والحزب تهديدًا وجوديًا. هذا التباين يجعل من الصعب الوصول إلى حلول وسط، حيث تعتبر كل دولة أن تنازلاتها تمس جوهر هويتها الدينية قبل السياسية
فإيران تستند إلى إيمان وعقيدة دينية عميقة، وهي أن ظهور الإمام المهدي، سيحدث في آخر الزمان ليملأ الأرض عدلاً بعد أن مُلئت ظلمًا
في هذا السياق، بعض التيارات السياسية والدينية الإيرانية، خاصة منذ الثورة الإسلامية عام 1979، ترى أن تمهيد الطريق لظهور المهدي المنتظر، ليس انتظارًا سلبيًا، بل مسؤولية شرعية تتطلب العمل لبناء نظام إسلامي عادل وقوي، يواجه الظلم ويمهّد لظهوره
فهذه الرؤية تُترجم عمليًا عبر، نشر النفوذ الإيراني في المنطقة من خلال ما يسمّى (الهلال الشيعي)، ودعم المستضعفين وفقًا للفكر الخميني، وإضعاف الأنظمة “الطاغوتية” أي المعادية لإيران أو للنهج الإسلامي الثوري، اضافة الى حماية العتبات المقدسة في العراق وسوريا الخ…، وبالطبع التصدي لإسرائيل، العدو العقائدي الاكبر. فبعض قادة الحرس الثوري وحتى المرشد الأعلى السابق والحالي ألمحوا إلى أن دور الجمهورية الإسلامية هو التمهيد لظهور الإمام المهدي عبر ما يسمّونه “الحكومة الإسلامية العادلة”. هذه العقيدة تُستخدم لتبرير تدخل إيران في دول الجوار، وتسويق مشروعها كرسالة دينية عابرة للحدود، ما يثير مخاوف خصومها من استخدام الدين كغطاء لمشروع توسعي
من جهتها ترى ما تسمّى بـ إسرائيل المدعومة من واشنطن، كـ”دولة يهودية” تقوم على فكرة أن إسرائيل هي الوطن القومي للشعب اليهودي، وأنها تأسست لتكون دولة تجمع اليهود من مختلف أنحاء العالم وتحميهم، بعد قرون من الاضطهاد، خاصة بعد المحرقة النازية، اذ تعتبر إسرائيل نفسها دولة لليهود أولًا، رغم وجود أقليات غير يهودية (عرب، دروز، مسيحيون…). هذا يتجلى في قوانين مثل “قانون الدولة القومية” (2018) الذي يؤكد أن حق تقرير المصير في إسرائيل يخص الشعب اليهودي فقط، فإسرائيل دائمًا تشجع اليهود من كل العالم على “العودة” إليها، وتمنحهم الجنسية تلقائيًا، بموجب “قانون العودة”. رغم أن إسرائيل تُظهِر ذاتها كدولة علمانية من حيث المؤسسات، إلا أن الطابع الديني اليهودي حاضر بقوة في قوانين الأحوال الشخصية، رموز الدولة، وأيام العطل، وهي تسعى إلى ضمان ديموغرافيا تُبقي اليهود أغلبية داخل الدولة، ما ينعكس في تعقيد عملية السلام مع الفلسطينيين وخوفها من “خطر ديموغرافي”، فما يسمّى بـ “إسرائيل” ترى نفسها مسؤولة عن حماية يهود العالم، وقد تتدخل أمنيًا أو دبلوماسيًا لهذا الهدف. فبعض الجماعات الدينية أو القومية المتشددة تؤمن بما يُعرف بـ”أرض إسرائيل الكبرى”، وهي أرض ورد ذكرها في التوراة، وتمتد من نهر النيل إلى نهر الفرات. لكن هذه الرؤية رمزية أو إيديولوجية، وليست سياسية رسمية كما يُقال
فما يسمّى “الدولة الإسرائيلية”، منذ إعلانها في 1948، ركّزت على ضمان حدود آمنة ومعترف بها، لكن خاضت حروبًا أدت إلى سيطرتها على أراضٍ خارج حدود التقسيم، مثل الضفة الغربية، القدس الشرقية، والجولان
فإسرائيل لا تعلن عن “خطة توسع جغرافي” علنيًا، لكنها تسعى إلى الهيمنة الإقليمية عسكريًا وأمنيًا، من خلال:
- منع خصومها من التسلّح (مثل إيران).
- الردع الشامل.
- تحالفات أمنية واقتصادية مع دول عربية.
أيضًا التمدد الاستيطاني في الضفة الغربية يُعتبر من أهم مؤشرات “التمدّد” على الأرض، وإن لم يكن اعترافًا بضمّ الأراضي في كل الحالات. اذًا هي أيضًا تستند إلى رؤى دينية لتبرير السيطرة على أراضٍ معينة.
رغم التوترات المستمرة وعمق الإختلاف من حيث ايمان كلٍ منهم على حِدة، هناك بعض السبل التي يمكن أن تسهم في تهدئة النزاع، من خلال الحوار غير المباشر حيث يمكن أن تلعب الدول الكبرى دور الوسيط في فتح قنوات تواصل غير مباشرة بين الطرفين، مما قد يساهم في تخفيف التوترات، وتشجيع اتفاقيات عدم اعتداء أو تفاهمات أمنية بين إيران ودول الجوار قد يحد من التصعيد. الى ذلك يمكن ان تلعب الضغوط الدولية من خلال العقوبات أو الحوافز الاقتصادية، فيمكن للمجتمع الدولي أن يشجع الطرفين على التهدئة.
”حزب الله” اللبناني: بين الولاء لطهران والتحديات الداخلية
يُعتبر “حزب الله” أحد أبرز أدوات النفوذ الإيراني في المنطقة، حيث نشأ بدعم مباشر من الحرس الثوري الإيراني في الثمانينيات. وقد تطورت العلاقة بين الطرفين لتصبح شراكة استراتيجية تشمل الدعم العسكري والاقتصادي والسياسي، اي انه اصبح جزء لا يتجزّأ من الحرس الثوري
ومع ذلك، تشير تقارير حديثة إلى أن إيران قد تعيد النظر في دور “حزب الله” في ظل التحديات الإقليمية والداخلية. فقد أبلغت طهران الحزب بضرورة تجنب التصعيد مع إسرائيل في الوقت الراهن، والعمل بتنسيق أكبر مع الدولة اللبنانية للمحافظة على الاستقرار الداخلي
وفي حين يَستعجل باراك الحصولَ على جوابٍ على الورقة التي قدّمها إلى لبنان خلال زيارته له، والتي تتمحور حول سحب السلاح ووجوب برمجته زمنيًا وعمليًا، وترسيم الحدود مع “إسرائيل” وسوريا، اضافة الى الإصلاحات، بحلول تاريخ عودته في 7 تموز المقبل و«إلا سوف يُترك لبنان»، وهنا سرعان ما وجدتْ الدولة نفسها بين ناريْ ما يشبه إعلان واشنطن توقيت جدّي ومحدد، وملامح تَوَثُّب إسرائيلي لاستنئاف الحرب.
إذًا الملف معقّد من حيث الجوهر، إما أن نكون أمام حلول مستدامة وجدّية الدولة بالتعاطي في هذا الملف، والانخراط الكلّي لحزب الله في الدولة، وتسليم كل سلاح خارج إطارها وترسيم الحدود، ناهيك عن فصل الدين عن السياسة مع احترام حرّية عقائد كل طرف للآخر، والانخراط بالعالم الذي اصبح في مكانٍ آخر، وايضًا وبالتوازي مطلوب ضغط دولي على اسرائيل للانسحاب من النقاط الخمس في لبنان ووقف انتهاكاتها الغاشمة، إما أن لبنان والمنطقة الى المجهول، فاللعبة قد انتهت والحَكَم قد تُسمع صافرته معلنًا انتهاء الوقت الإضافي للمباراة





