سياسةمقالات وتقارير

الجنوب على حافة التحوّل.. والنار تسبق السياسة

كتب جوني خلف

 

لم تعد المعركة الدائرة في جنوب لبنان مجرد جبهة مشتعلة على الحدود، بل تحوّلت تدريجياً إلى سباق خطير بين الميدان والسياسة، حيث تتقدّم إسرائيل بالنار فيما يحاول لبنان اللحاق دبلوماسياً لمنع سقوط ما تبقّى من التوازنات. وبينما تتسع رقعة القصف والتوغلات، تبدو المفاوضات الجارية أشبه بمحاولة انتزاع وقف للانهيار قبل الوصول إلى مرحلة فرض الوقائع بالقوة.

وبحسب معلومات متقاطعة من أوساط متابعة للمفاوضات، فإن الإدارة الأميركية لا تزال تتمسك بدفع الملف نحو مقاربة أمنية مباشرة، رغم الأجواء غير المشجعة التي خيّمت على الجولات الأخيرة. وتشير المعطيات إلى أن الخلاف الأبرز انفجر عند طرح الأميركيين فكرة إنشاء قناة تنسيق مباشرة بين الجيش اللبناني والجيش الإسرائيلي، وهو ما رفضه الوفد اللبناني بشكل قاطع، معتبراً أن الدخول في مسار كهذا يتجاوز الإطار العسكري والتقني، ويرتبط بقرار سياسي سيادي لا يمكن حسمه داخل غرف التفاوض الأمنية.

بالتوازي، كثّف لبنان خلال الساعات الماضية تحركاته واتصالاته الخارجية في محاولة لاحتواء التصعيد الإسرائيلي ومنع تمدده نحو مراحل أكثر خطورة، لا سيما بعد رفض إسرائيل الطلب اللبناني بوقف إطلاق النار خلال جلسة المفاوضات الأمنية التي انعقدت في واشنطن. وفيما يستعد الوفد اللبناني لجولة سياسية جديدة الثلاثاء المقبل، تتزايد المخاوف من أن تكون الوقائع العسكرية على الأرض تسبق أي مسار تفاوضي وتفرض شروطها بالقوة.

 

وفي الداخل اللبناني، حضر الملف الجنوبي في صلب اللقاء الذي جمع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة الدكتور نواف سلام في قصر بعبدا، حيث جرى البحث في التطورات الأمنية المتسارعة مع استمرار الغارات الإسرائيلية واتساع نطاقها نحو مدن وبلدات جديدة.

وفي توصيفه للمشهد الميداني، رأى سلام أن إسرائيل تجاوزت مرحلة الضربات العسكرية الموضعية، وانتقلت إلى اعتماد نهج يقوم على إنهاك الجنوب وتدمير مقومات الحياة فيه بشكل ممنهج، من البنى التحتية إلى الواقعين الاقتصادي والإنساني. واعتبر أن ما يحصل لم يعد يقتصر على العمليات العسكرية، بل بات أقرب إلى سياسة تهدف إلى دفع السكان نحو النزوح الجماعي عبر الضغط بالنار والتدمير والخوف.

 

وأكد رئيس الحكومة أن لبنان لم يختر هذه الحرب، لكنه يدفع أثمانها الباهظة على مستوى الأرواح والاقتصاد والاستقرار، مشدداً على أن خيار المفاوضات لم يأتِ من موقع الضعف بل من باب حماية لبنان ومنع تحويله مجدداً إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.

 

وفي تطور ميداني لافت، أعلن الجيش الإسرائيلي توسيع عملياته العسكرية ضد «حزب الله» إلى مناطق تقع شمال نهر الليطاني، مؤكداً إطلاق عملية واسعة في مرتفعات الشقيف ووادي السلوقي جنوبي لبنان.

وفي السياق نفسه، ذكرت هيئة البث الإسرائيلية أن القوات الإسرائيلية أصبحت تسيطر على قلعة الشقيف، في خطوة تحمل أبعاداً عسكرية واستراتيجية بالغة الحساسية نظراً لموقع المنطقة وأهميتها في المعادلة الميدانية جنوباً.

ويأتي هذا التصعيد وسط مؤشرات إلى دخول المواجهة مرحلة أكثر تعقيداً، مع استمرار التوغلات البرية واتساع نطاق العمليات العسكرية في الجنوب اللبناني.

في المقابل، تُظهر التطورات الميدانية اتساع نطاق التحديات التي يواجهها «حزب الله» مع استمرار المواجهة. فعلى الرغم من استمرار إعلان الحزب عن عمليات إطلاق الصواريخ والمسيّرات وما يرافقها من بيانات عن استهدافات، فإن ذلك لم ينعكس على الأرض من حيث وقف التقدّم الإسرائيلي أو الحدّ من توسّع عملياته، في وقت تتسع فيه دائرة الانتقادات الشعبية ومن داخل البيئة الشيعية والسياسية المرتبطة بكلفة الحرب وتداعياتها الثقيلة على لبنان. ومع تصاعد الدمار والخسائر البشرية والاقتصادية، بدأ النقاش الداخلي يأخذ منحى أكثر حساسية حول جدوى استمرار المواجهة، وحول مدى ارتباطها بحسابات إقليمية تتجاوز الأولويات اللبنانية المباشرة.

في ظل هذا المشهد، تبدو المرحلة المقبلة محكومة بمعادلة شديدة الحساسية. فإما أن تنجح المفاوضات في كبح مسار الانحدار ومنع ترسيخ وقائع جديدة على الأرض، وهو احتمال ضعيف في ضوء المعطيات القائمة، وإما أن ينزلق لبنان إلى مرحلة أكثر قسوة تُصبح فيها التطورات الميدانية هي المتحكم الأساسي بالإيقاع، ويتحوّل الجنوب إلى ورقة ضغط إقليمية مفتوحة، فيما تقتصر السياسة على محاولة متأخرة لمواكبة ما تُعيد النار رسمه.

جوني ج خلف – رئاسة التحرير 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى