
ما يجري حول الجنوب لم يعد محصوراً بما يُسمع في القرى الحدودية أو بما تنقله التصريحات السياسية. ثمة حركة تتوسع خلف الكواليس: مفاوضات يجري التحضير لها في تامبا، اتصالات فاتيكانية دخلت على الخط، وتحركات أميركية عسكرية تتزايد في المنطقة، مع رفع طهران سقف استعدادها لاحتمال مواجهة مفتوحة مع واشنطن. وفي لبنان، تأتي زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى النبطية لتضيف إلى هذا الملف عنواناً داخلياً لا يقل أهمية عن العناوين الخارجية: من يملك قرار الجنوب حين تصبح التطورات الإقليمية على تماس مباشر معه؟
في هذا السياق، لم تمنع الحملات التي شنها مناصرون لـ«حزب الله» على سلام حضوراً سياسياً لافتاً خلال الزيارة. رئيس بلدية النبطية المحسوب على الحزب كان موجوداً، وكذلك عدد كبير من السياسيين، فيما سجّلت الزيارة ترحيباً واسعاً من شريحة كبيرة من أبناء الجنوب.
وتعتبر المصادر أن أهمية الزيارة لا تكمن فقط في الحضور السياسي الذي رافقها، بل في الرسالة التي يفترض أن تتركها في هذه المرحلة: الجنوب بحاجة إلى موقف لبناني جامع في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية، وليس إلى خلافات داخلية حول زيارة رئيس الحكومة. وترى أن حضور الدولة في الجنوب وتوحيد الموقف الرسمي يمنحان لبنان هامشاً أوسع وأقوى عندما ينتقل إلى أي مفاوضات جديدة.
وفي موازاة ذلك، يأخذ هذا المسار طريقه إلى تامبا ـ فلوريدا في النصف الثاني من الشهر الحالي، حيث يجري التحضير لجولة جديدة من المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية. المعلومات المتداولة تشير إلى أن الاجتماع سيكون عسكرياً، من دون مشاركة سياسية، ما يعني عدم حضور السفيرين كرم ومعوض، إلا إذا طرأ تعديل على صيغة الوفدين قبل موعد الاجتماع.
وعلى صعيد آخر، لم تصل المفاوضات بعد إلى النقطة التي تسمح باعتبار الجولة المقبلة مضمونة النتائج. الاتصالات مستمرة لإزالة العوائق التي حالت دون إحراز تقدم سابقاً، والهدف الوصول إلى خرق يسمح بإبقاء القناة مفتوحة وتحقيق نتيجة يمكن البناء عليها. وفي حال بقيت العقد على حالها، فإن التأجيل سيكون الاحتمال الأقرب.
وفي موازاة المسار التفاوضي، تتزايد المخاوف في الجنوب من أن تستغل إسرائيل المرحلة المقبلة لتوسيع نطاق عملياتها، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية. وتدور تحذيرات من احتمال انتقال التوسع العسكري إلى مناطق أعمق، وصولاً إلى محيط جبل الريحان وإقليم التفاح، بما يفتح جبهة أوسع من نطاق الاعتداءات الحالية ويضع مناطق جديدة أمام خطر الاستهداف والتهجير والدمار. وترى مصادر متابعة أن العامل الانتخابي الإسرائيلي قد يدخل في حسابات القرار العسكري، خصوصاً إذا أراد رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو تقديم صورة عن قدرته على فرض وقائع أمنية جديدة في مواجهة خصومه الداخليين.
وفي موازاة هذه المخاوف، برز لقاء السفير سيمون كرم بأمين سر دولة الفاتيكان بييترو بارولين خلال زيارة كرم إلى إيطاليا. اللقاء، الذي جرى بناءً على طلب الفاتيكان، تناول مسار المفاوضات والرغبة في إنجاحها، مع استعداد الفاتيكان لمواكبة الملف والتحرك لمساعدة لبنان في المحافل الدولية، نظراً إلى شبكة علاقاته وتأثيره فيها.
غير أن الاتصالات المرتبطة بلبنان لا تجري بمعزل عن التطورات الأوسع في المنطقة.
وعلى هذا الخط، نقلت «بلومبرغ» عن مصادر إيرانية أن طهران تجهّز نفسها لاحتمال حرب شاملة مع الولايات المتحدة. وفي واشنطن، عقد فريق مجلس الأمن القومي اجتماعاً مغلقاً في منتجع كامب ديفيد، بغياب الرئيس دونالد ترامب، لبحث الخيارات الممكنة في التعامل مع إيران.
وفي هذا السياق، لم يبقَ التحرك الأميركي سياسياً. واشنطن عززت انتشارها العسكري في المنطقة بإرسال حاملة طائرات ثالثة ومجموعة إنزال ثانية. وفي المقابل، تنقل «بلومبرغ» وصحافي إيراني مقرّب من النظام أن الرد الإيراني على أي هجوم لن يكون محدوداً، بل سيكون واسعاً ومن دون سقف. وتطرح مجلة «فورين بوليسي» سيناريو أكثر حدة، مفاده أن مرحلة ما بعد انتخابات منتصف الولاية قد تشهد انتقال إدارة ترامب إلى خيار يستهدف إسقاط النظام الإيراني، في حال قرر الرئيس الأميركي جعل الملف الإيراني إحدى أبرز بصماته السياسية .
.
اذًا، ما يجري إقليمياً لن يبقى بعيداً عن لبنان، خصوصاً في الجنوب. فإذا دخلت واشنطن وطهران في مواجهة مفتوحة، فلن يبقى الجنوب بمنأى عن ارتداداتها، خصوصاً أن إسرائيل موجودة أصلاً في صلب المعادلة العسكرية والإقليمية. وإذا ترافق ذلك مع قرار إسرائيلي بتوسيع العمليات جنوباً، فإن مناطق مثل جبل الريحان وإقليم التفاح قد تجد نفسها أمام مرحلة مختلفة تماماً من الحرب. وفي المقابل، فإن نجاح اتصالات تامبا في إنتاج تفاهمات جديدة قد يمنح لبنان مساحة أوسع للتحرك السياسي والدبلوماسي.
وفي هذا الإطار، يحتاج لبنان إلى شيء لا توفره له لا واشنطن ولا طهران ولا أي عاصمة أخرى: قرار داخلي متماسك. فالجنوب لا يحتاج إلى خلاف لبناني جديد حول زيارة رئيس حكومة، ولا إلى رسائل حزبية متبادلة، بل إلى موقف رسمي قادر على التفاوض والدفاع عن مصالحه، وإلى دولة تعرف ماذا تريد عندما تجلس أمام الآخرين.
فالذي يتقرر في تامبا لن يبقى في تامبا، وما يجري بين واشنطن وطهران لن يبقى محصوراً بينهما. وإذا دخل العامل الانتخابي الإسرائيلي على خط القرار العسكري، فقد تتسع رقعة النار جنوباً، ومع اقتراب موعد المفاوضات، تتركز الأنظار على ما يمكن أن تحمله الجولة المقبلة. عندها، لن تكون المسألة مجرد اعتداءات متفرقة أو جولة مفاوضات جديدة، بل محاولة لفرض وقائع ميدانية قبل أن تتحدد التسويات السياسية.
في النهاية، يحتاج لبنان إلى قرار واضح يحمي الجنوب ويمنع تحويله إلى ساحة لحسابات إسرائيلية أو أميركية ـ إيرانية. المفاوضات وحدها لا تكفي، والتصعيد قد يفرض وقائع جديدة، وما يحسم موقع لبنان هو قدرته على الدخول إلى المرحلة المقبلة بموقف موحّد، يعرف ما يريد وما يرفضه، ويضع الجنوب تحت سقف قرار الدولة.
ميدانيًا سجل الجنوب اللبناني، أمس السبت، سلسلة اعتداءات إسرائيلية شملت غارات جوية وقصفاً مدفعياً وتفجيرات، إضافة إلى إطلاق قنابل مضيئة.
وطالت الغارات النبطية الفوقا، وادي السلوقي ـ القنطرة، المنطقة بين النبطية الفوقا وكفرتبنيت، والمنصوري، فيما استهدف القصف المدفعي مناطق عدة بينها وادي الحجير، حداثا وحاريص، سهل الخيام، زوطر الشرقية وبرعشيت وكفرتبنيت.
كما نفّذ جيش العدو الإسرائيلي تفجيرات في بيت ياحون وأطراف برعشيت وحولا والمنصوري وعبترون وطلوسة، فيما أطلقت قنابل مضيئة فوق المنصوري وكونين.
ومنذ منتصف الليل، تواصل القصف المدفعي على المنصوري ووادي الحجير والنبطية الفوقا ودوحة كفررمان وبرعشيت.
جوني خلف – رئاسة التحرير




